تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أجله، وفيه أيضا دليل على حسن خلق النبي - صلى الله عليه وآله وسلم -

وتواضعه وإنصافه، وقد وقع في بعض ألفاظ الصحيح أن الرجل أغلظ على النبي -

صلى الله عليه وآله وسلم - فهم به أصحابه، فقال: (دعوه فإن لصاحب الحق

مقالا) كما تقدم، وفيه دليل على جواز قرض الحيوان، وقد تقدم الخلاف في ذلك،

وفيه جواز رد ما هو أفضل من المثل المقترض إذا لم تقع شرطية ذلك في العقد، وبه

قال الجمهور وعن المالكية إن كانت الزيادة بالعدد لم يجز، وإن كانت بالوصف

جازت، ويرد عليهم حديث جابر المذكور في الباب، فإنه صرح بأن النبي - صلى

الله عليه وآله وسلم - زاده، والظاهر أن الزيادة كانت في العدد، وقد ثبت في رواية

للبخاري أن الزيادة كانت قيراطا، وأما إذا كانت الزيادة مشروطة في العقد فتحرم

اتفاقا، ولا يلزم من جواز الزيادة في القضاء على مقدار الدين جواز الهدية ونحوها

قبل القضاء؛ لأنها بمنزلة الرشوة، فلا تحل كما يدل على ذلك حديثا أنس المذكوران

في الباب وأثر عبد الله بن سلام [2] والحاصل أن الهدية والعارية ونحوهما إذا كانت

لأجل التنفيس في أجل الدين أو لأجل رشوة صاحب الدين، أو لأجل أن يكون

لصاحب الدين منفعة في مقابل دينه فذلك محرم؛ لأنه إما نوع من الربا أو رشوة،

وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس،

وإن لم يكن ذلك لغرض أصلا فالظاهر المنع لإطلاق النهي عن ذلك.

وأما الزيادة على مقدار الدين عند القضاء بغير شرط، ولا إضمار فالظاهر

الجواز من غير فرق بين الزيادة في الصيغة والمقدار، والقليل والكثير؛ لحديث أبي

هريرة وأبي رافع والعرباض وجابر، بل هو مستحب. قال المحاملي وغيره من

الشافعية: يستحب للمستقرض أن يرد أجود مما أخذ؛ للحديث الصحيح في ذلك،

يعني قوله: (إن خيركم أحسنكم قضاء) ، ومما يدل على عدم حل القرض الذي

يجر إلى المقرض نفعا، ما أخرجه البيهقي في المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا

بلفظ: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا، ورواه في السنن الكبرى عن

ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم، ورواه

الحارث بن أبي أسامة من حديث علي - عليه السلام - بلفظ أن النبي - صلى الله

عليه وآله وسلم - نهى عن قرض جر منفعة، وفي رواية: (كل قرض جر منفعة

فهو ربا) ، وفي إسناده سوار بن مصعب وهو متروك، قال عمر بن زيد في المغني: لم يصح فيه شيء، ووهم إمام الحرمين والغزالي فقالا: إنه صح،

ولا خبرة لهما بهذا الفن. اه المراد منه، ومعظمه منقول من فتح الباري.

وأما الربا الذي نهى عنه الكتاب العزيز بالنص الصريح، فهو ربا النسيئة

المضاعف، وقد ذكرنا كيفيته، وبينا حكمته بالتفصيل في تفسير آياته من أواخر

سورة البقرة. وتحريمه ليس تعبديا، كما يقول من يرى ذلك من الفقهاء، بل هو

معلل بقوله عز وجل: ﴿لا تظلمون ولا تظلمون﴾ (البقرة: 279) وبقوله:

﴿واتقوا الله﴾ (آل عمران: 130) بعد قوله: {يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا

أضعافا مضاعفة} (آل عمران: 130) فإن هذا من القسوة، ومنع المعروف

عند الحاجة المنافي للتقوى، والمراد بهذا الربا المعروف: ما كان عليه الناس في

الجاهلية، وهو كما قال الإمامان مالك وأحمد وغيره: أن يكون للرجل على الرجل

دين مؤجل من قرض أو ثمن، فيقول له عند الأجل: إما أن تقضي، وإما أن تربي

فيزيد ويربي له لحاجته كلما طلب. وليس منه في شيء ما تقدم في السؤال، وهو

أن يستعمل إنسان مال آخر مودعا عنده برضاه، ثم يعطيه برضاه عند القضاء، أو

في آخر السنة جزءا مما ربح برضاه واختياره، من غير شرط ولا عقد.

هذا ما عن لنا في هذا المسألة مع صرف النظرعن حكم دار الحرب، وما

أحلوه فيها من العقود الفاسدة ونحوها، وأطالت الخوض فيه الجرائد الهندية من زمن

ليس ببعيد. ولا تنس في هذا المقام، ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في العقود

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٥٢