وأعمالهما واحدة، وتساوت فيهما كل الشروط التي تشترطها شركات (سوكرتا)
الحياة ما عدا شرب المسكرات؛ أي: إن كان أحدهما يشرب الخمور والآخر لا
يشربها، فإن الشركة تفرض على الأول أكثر مما تفرض على الثاني؛ لكي تسوكر
حياتيهما على مبلغين متساويين، وإن دفعا مبلغين متساويين كل سنة، ضمنت
للثاني أكثر مما تضمن للأول، كأنها تقول بعبارة تجارية حسابية لا تقبل الشك ولا
الريب: إنه قد ثبت لي بالاستقراء أن عمر الذي يشرب مسكرا أقصر من عمر الذي
لا يشرب مسكرا، فلا أستطيع أن أعاملهما معاملة واحدة، وأكون بمأمن من الخسارة
ولابد للذي يشرب المسكر من أن يدفع لي سنويا أكثر مما يدفع من لا يشرب
مسكرا؛ لكي أضمن حياتيهما على مبلغين متساويين من المال. وهذا وجه يكفي لأن
يكون فصل الخطاب بين الذين يقولون بضرر المسكرات ولو كان مقدارها قليلا
وشربها معتدلا وبين الذين يقولون: إن لا ضرر منها حينئذ بل منها نفع.
وهذا الحكم العملي التجاري المبني على الاستقراء يؤيده العلم أيضا، قال
الكولونيل دفي أحد أطباء الجيش الإنكليزي في مقالة نشرت حديثا في مجلة القرن
التاسع عشر: إن المسكرات تفعل بالطعام: فلا يعود ينهضم بالسرعة التي كان
ينهضم بها لولاها، وتفعل أيضا بأعضاء الهضم فتقسيها، كما تقسي القطع اللحمية
التي توضع فيها، فلا يعود فعل الهضم سهلا عليها وإذا اختل فعل الهضم اختل
فعل التغذية، وتضر أيضا بالرئتين والكليتين والكبد والدماغ.
غير أن كثيرين يشربون المسكرات بالاعتدال، ولا ينالهم من شربها ضرر
ظاهر، فيتخذون ذلك دليلا على عدم الضرر من الشرب المعتدل. ولكن هل قاس
أحد قوة هؤلاء الناس الجسدية والعقلية وهم غير شاربين للمسكرات بقوتهم
الجسدية والعقلية وهم شاربوها. نعم، إنهم إذا اعتادوا الشرب، فقد تضعف قواهم
وتخمل عقولهم في الساعة التي اعتادوا الشرب فيها، إذا امتنعوا عن الشرب حينئذ.
ولكن يحدث مثل ذلك بكل من يعتاد شيئا ثم يفطم نفسه عنه حتى
الأفيون والحشيش؛ لأن أعصابه تصير تنتظر المنبه أو المسكن في الساعة التي
اعتادته فيها، فتضطرب إذا قطع عنها. ولكن إذا تكرر هذا الانقطاع مدة ألفته
الأعصاب، ولم تعد تضطرب منه.
وبديهي أن المسكر جسم غريب يدخل الجسم، بل هو سم يتعب الجسم،
فيجاهد الجسم للتخلص منه، كما يجاهد للتخلص من سائر السموم التي تدخله، وهذا
الجهاد عمل شاق، يذهب فيه جانب من قوة الجسم، وإذا تكرر دخول هذا السم يوما
بعد يوم، فلا بد من حصول الضرر أخيرا.
ورب قائل يقول: إننا نرى الأطباء يصفون المسكرات في بعض الأحيان
ويقولون أن لا بد منها ولا يكتفون بوصف الضعيف الفعل كالخمر والبيرا بل
يصفون القوي الفعل كالعرق والكنياك، فكيف تقولون بضررها قولا مطلقا من غير
قيد.
والجواب: أن الألكحول الذي هو العنصر الفعال في المسكرات على أنواعها
نافع في بعض الأحوال المرضية ولازم فيها دواء لا غذاء وخير للطبيب أن
يصف حينئذ الألكحول النقي نفسه لا أمزجته المعروفة بالمسكرات، وهو إذا وصف
كذلك شربه المريض مكرها، ولم يجد في شربه لذة، ولا رأى في نفسه ميلا إليه،
بعد الشفاء من المرض. بل إنه لو شرب أطيب المسكرات دواء لما وجد في نفسه
ميلا إليها كما لو شربها للتلذذ بطعمها. أما ما يزعمه بعض الأطباء من أن المسكرات
غذاء نافع، فزعم قديم قوضت أركانه الآن. وليس الألكحول غذاء بل هو سم
زعاف مثل سائر السموم ويجب أن يعامل مثلها، يجتنب دواما ولا يستعمل إلا إذا
دعت الحاجة إليه دواء؛ لأن العلم والاستقراء قد أثبتا ذلك.
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">