صرح بذلك صاحب الوهبانية من فقهاء الحنفية بقوله فيها:
ومن لولي قال طي مسافة ... يجوز جهول ثم بعض يكفر.
ولا شك أن الناظم كان يعتقد أحد الوجهين اللذين حكاهما عن العلماء، فليكن
الشيخ حسن مثله ومثل من نقل عنهم. وهذا قولهم فيمن قال بالجواز، فما بالك بمن
يقول: إن ذلك واقع بالفعل.
وهب أن هذا وقع كرامة، فهل يكلف من لم يثبت ذلك عنده، ولم يشاهده أن
يجعله عقيدة دينية له؟ أي دين يتسع لهذا؟ أيتسع له دين الإسلام الذي قرر كتابه أن
لله في الخليقة سننا لا تتبدل ولا تتحول، وأن لا حكم في الدين إلا لله، وما أنزل الله
بهذا من سلطان.
وأما مسألة تقبيل الأعتاب فهي بدعة، لا سند لها من كتاب ولا سنة ولا قول
إمام مجتهد، وكيف؟ وقد قال الفقهاء في زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم:
ليس من السنة أن يمس الجدار، ولا أن يقبله، بل يقف من بعيد ويسلم.
نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تشييد القبوروتشريفها، وعن الكتابة
عليها، وعن إيقاد السرج عليها، وعن اتخاذ المساجد عليها، ولعن من يفعل هذا.
ومضى الصحابة والتابعون على هذه السنة، فلم يبنوا قبر النبي - صلى الله
عليه وسلم - ولم يصلوا إليه ولا بنوا قبرا لأحد من المهاجرين والأنصار. ولما
حدثت بدعة بناء القبور، كان بعض الأمراء المتمسكين بالسنة يهدمها كما حكاه الإمام
الشافعي في (الأم) ، قال: ولم أر أحدا من الفقهاء أنكر عليهم ذلك، أي: هدمها.
فهل صارت البدعة سنة، وصار بناء القبور وتشريفها، وبناء المساجد عليها،
والصلاة إليها دينا متبعا، بعد أن لعن الشارع فاعل ذلك، وصار لهذه المساجد التي
تبنى عليها أحكام شرعية، منها: أن تقبيل أعتابها مطلوب شرعا، ومنكره يعاقب
ويهان؟
وأما مسألة الروضة فالرواية فيها ضعيفة عن الشيخ حسن علي، سمعتها من
واحد مجملة، وإنني مع ذلك أقول فيها قولا وجيزا: أقول: إن العلماء قالوا في حديث
الشيخين: (ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة) : إن معناه أن العمل
هناك بطاعة الله يكون سببا لدخول الجنة، وقيل: إنها تنقل يوم القيامة إلى الجنة،
وقال بعضهم: إنه لما كان جلوسه صلى الله عليه وسلم وجلوس الناس إليه
يتعلمون القرآن والدين والإيمان هناك شبه ذلك الموضع بالروضة؛ لكرم ما يجتنى
فيه، وأضافه إلى الجنة؛ لأنها تؤول إلى الجنة وهذا هو الصواب في تفسيره ويشهد
له ما ورد في تسمية مجالس الذكر برياض الجنة، كما في حديث جابر وأبي هريرة
ومعاذ، ولم يقل أحد: إن المراد بها أن مجالس الذكر من أرض الجنة، لا من
أرض الدنيا.
وأما مسألة الصناديق التي توضع عند الأضرحة؛ لاستدرار أيدي الذين
يظنون أن إلقاء المال في الصندوق منها؛ سبب لقضاء صاحب الضريح لحاجة
الملقي، فما قاله الشيخ حسن فيها، لا يستطيع أحد أن ينكره إلا أولئك الأغنياء
الذين يأكلون تلك الأموال بالباطل، ولم يبلغنا أن الرجل نوقش في هذه المسألة، فلا
نبحث فيها.
فعلم مما تقدم أن كل ما قاله الرجل حق لا وجه لمؤاخذته على شيء منه،
وهذا مما يقوي القول بأنه أوخذ على شيء آخر يتعلق بمعاملته لشيخ علماء دمياط.
ولكن الناس لم يعرفوا ذلك الشيء، فظنوا أن شيخ الأزهر وأعضاء مجلس إدارته
ينكرون تلك الحقائق، ويقولون بوجوب الإيمان بطي الأرض للصالحين بالفعل،
وتقبيل أعتاب المساجد التي بنيت على قبورهم ابتداعا في الدين، وبأن إلقاء المال
في الصناديق عند قبورهم، أفضل من الصدقة على الفقراء والمساكين، وإغاثة
المنكوبين والبائسين.
والناس في هذا الظن فريقان: فريق يعلم الحق في هذه المسائل، فهو يعتقد أن
الشيوخ مبطلون، وللبدع والخرافات مؤيدون. وفريق لا علم عنده، فهو يقلدهم بما
يظن أنهم عليه. ولا ينبغي إقرار أحد من الفريقين على ظنه ظن السوء بالعلماء؛
لذلك نقترح على الأستاذ الأكبر شيخ الجامع الأزهر أن يبين للناس الحق في هذه