كانت حياة الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده في جميع أطوارها وأدوارها
خالصة لله - تعالى - من شوائب الرياء، وزعزعة الأهواء، ومات كذلك خالصا
مخلصا لله، لا يرجو غيره، ولا يخشى سواه؛ لذلك كان في محياه ومماته آية في
العلم والعمل لله وللناس، وحجة على أهل الجهل والجمود والجحود من جميع
الأجناس.
رأينا في عصرنا كثيرا من أهل الشهرة والظهور في أمتنا، من المرشدين
والعلماء والملوك والأمراء والشرفاء والأغنياء قد حيوا مكرمين وماتوا مبكيين وما
كانت حياة أحد منهم كحياته، ولا مماته كمماته.
ما رأينا أحدا منهم في حداثته فطريا زكيا، وفي شبابه متعلما صوفيا وفي
كهولته فيلسوفا اجتماعيا، وفي شيخوخته حكيما ربانيا.
ما رأينا أحدا منهم يعمل لترقية الناس في الدين والدنيا، من حيث لا يطلب
لنفسه إلا الحياة الأخرى.
ما رأينا أحدا منهم كان يرجوه الفقير لنيل نواله، ويسترشد به الغني ليفيد
ويستفيد بماله، ويرجوه المتعلم ليقتبس من حكمته وفهمه، ويستهديه العالم الذي يريد
أن ينفع بعلمه، ويرجوه المحكومون لما يريدون عند الحاكمين، ويستفيد منه الحكام
كيف يعدلون في المحكومين.
ما رأينا أحدا منهم كان قبلة آمال المصلحين، في السياسة والعلم والدين، قد
أتلعت الأعناق وامتدت الأبصار من جميع الأمصار والأقطار، ترقب آثار إصلاحه
وتنوط فلاحها بفوزه ونجاحه، فالمصري في وطنه يرجوه لمصر، والمسلم في
كل وطن يرجوه للإسلام، والشرقي غير المسلم يرجوه للشرق.
هكذا كان مرجوا في حياته للعالمين، إذ كان محياه خالصا لله رب العالمين،
وهكذا كان مرثيا من الناس أجمعين؛ إذ كان حتى مماته محبا لخير الناس أجمعين.
ثم ما رأينا منهم أحدا مات فبكاه السني السلفي وغير السلفي، وحزن عليه
الشيعي والإباضي، ورثاه اليهودي والنصراني، وأبنه الشرقي والغربي، واستوى
في التعزية عنه القريب بالأجنبي.
ما رأينا أحدا منهم مات فنعته الجرائد كنعيه، وأبنته بمثل ما أبنته به، على
اختلافها في العقائد والمذاهب، وتباينها في المنازع والمشارب، وعلى ما كان له في
عالم الاجتماع من الزعامة، وفي عالم الدين من مرتبة الإمامة، وهما المزيتان اللتان
يتحاسد عليهما الكبراء، وينبري لمباراة صاحبهما العظماء، بل يسلطون الألسنة
والأقلام على من يخطب واحدة منهما، فما بالك بمن يتمكن من الجمع بينهما، وما
كانوا عن الأستاذ الإمام بغافلين، ولا عن النيل منه بساكتين.
ما رأينا أحدا منهم مات فعد موته موتا للفقراء، موتا للعلم والعلماء، موتا
للبلاغة والبلغاء، موتا للصدق والوفاء، موتا للإخلاص والصفاء ورزؤه رزءا
للمصريين، بل رزءا للمسلمين، بل رزءا للإنسانية ومصابا على أهلها أجمعين.
ما رأينا أحدا منهم مات فتجاوبت الأقطار بالتعزية عنه، وتناوحت الأمصار
بالرثاء فيه، وشهد له القريب والبعيد، والغوي والرشيد، والذكي والبليد، بأنه إمام
الزمان، وسدرة منتهى العرفان.
هكذا كان وقع موته في العالمين؛ لأنه مات كما عاش خالصا مخلصا لله رب
العالمين.
ليس هذا الذي أقول من خيالات الشعر، ولا من باب الإطراء في المدح، ولا
هو من قبيل شهادة القريب للقريب، ولا من إعجاب الصديق والوديد، ولا من
إجلال التلميذ أو المريد، وإنما هو الحق اليقين الذي دونته أقلام الكاتبين، إملاء
على ألسنة الناطقين، وهذا السفر بعض ما دونوا، وما دونوا إلا بعض ما علموا.
ترى في هذا السفر إثباتا لاعتقاد قوم من المؤبنين والمعزين والراثين،
وتصويرا لشعور طوائف من العلماء والفضلاء والشعراء والكاتبين قد تقاربوا، بل
اتحدوا على تباعد الأقطار، واتفقوا على اختلاف اللغات والمذاهب والديار، في
إثبات المعاني التي أثبتنا، مع تفصيل لما أجملنا، وذلك هو التواتر الحقيقي، المفيد
للعلم اليقيني.
تواتر لم يعهد له عندنا مثال، دونته الطبقة الأولى في الكتاب، عن تواتر سار