أحاديث أخر مثل حديث ابن مقفل وغيره، وليس في الصحاح والسنن حديث فيه ذكر
جهره بها، والأحاديث المصرحة بالجهر عنه كلها ضعيفة عند أهل العلم بالحديث؛
ولهذا لم يخرجوا في أمهات الدواوين منها شيئا. ولكن في الصحاح والسنن أحاديث
محتملة، وقد روى الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس أن النبي -
صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بها إذ كان بمكة، وأنه لما هاجر إلى المدينة
ترك الجهر بها حتى مات، ورواه أبو داود في الناسخ والمنسوخ، وهذا يناسب
الواقع فإن الغالب على أهل مكة كان الجهر بها. وأما أهل المدينة والشام والكوفة فلم
يكونوا يجهرون بها. وكذلك أكثر البصريين وبعضهم كان يجهر بها؛ ولهذا سألوا
أنسا عن ذلك. ولعل النبي- صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بها بعض الأحيان،
أو جهرا خفيفا إذا كان ذلك محفوظا، وإذا كان في نفس كتب الحديث أنه فعل
هذا مرة وهذا مرة زالت الشبهة.
وأما القنوت فأمره بين لا شبهة فيه عند التأمل التام، فإنه قد ثبت في
الصحاح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قنت في الفجر مرة يدعو على
رعل وذكوان وعصية ثم تركه، ولم يكن تركه نسخا له؛ لأنه ثبت عنه في
الصحاح أنه قنت بعد ذلك يدعو للمسلمين، مثل الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام
والمستضعفين من المؤمنين، ويدعو على مضر، وثبت عنه أنه قنت أيضا
في المغرب والعشاء وسائر الصلوات قنوت استنصار، فهذا في الجملة منقول
ثابت عنه. لكن اعتقد بعض العلماء من الكوفيين أنه تركه ترك نسخ، فاعتقد
أن القنوت منسوخ، واعتقد بعضهم من المكيين أنه مازال يقنت في الفجر القنوت
المتنازع فيه حتى فارق الدنيا.
والذي عليه أهل المعرفة بالحديث أنه قنت لسبب تركه لزوال السبب،
فالقنوت من السنن العوارض لا الرواتب؛ لأنه ثبت أنه تركه لما زال العارض، ثم
عاد إليه مرة أخرى، ثم تركه لما زال العارض. وثبت في الصحاح أنه لم يقنت
بعد الركوع إلا شهرا، هكذا ثبت عن أنس وغيره، ولم ينقل أحد قط عنه، أنه قنت
القنوت المتنازع فيه لا قبل الركوع ولا بعده، ولا في كتب الصحاح والسنن شيء
من ذلك، بل قد أنكر ذلك الصحابة كابن عمر وأبي مالك الأشجعي وغيرهما. ومن
المعلوم قطعا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لو كان كل يوم يقنت قنوتا يجهر
به؛ لكان له فيه دعاء ينقله بعض الصحابة، فإنهم نقلوا ما كان يقوله في القنوت
العارض وقنوت الوتر، فالقنوت الراتب أولى أن ينقل دعاؤه فيه، فإذا كان الذي
نستحبه إنما يدعو فيه لقنوت الوتر، علم أنه ليس فيه شيء عن النبي - صلى الله
عليه وسلم - وهذا مما يعلم باليقين القطعي، كما يعلم عدم النص على هذا وأمثاله
فإنه من الممتنع أن يكون الصحابة كلهم أهملوا نقل ذلك، فإنه مما يعلم بطلانه قطعا
وكذلك المأثور عن الصحابة مثل عمر وعلي وغيرهما هو القنوت العارض قنوت
النوازل، ودعاء عمر فيه وهو قوله: اللهم عذب كفرة أهل الكتاب ... إلخ.
يقتضي أنه دعا به عند قتله للنصارى. وكذلك دعاء علي عند قتاله لبعض
أهل القبلة. والحديث الذي فيه أنس أنه لم يزل يقنت حتى فارق الدنيا مع ضعف
في إسناده وأنه ليس في السنن، إنما فيه القنوت قبل الركوع، وفي الصحاح عن
أنس أنه قال: لم يقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع إلا شهرا
والقنوت قبل الركوع هو القيام الطويل، إذ لفظ القنوت معناه دوام الطاعة، فتارة
يكون في السجود، وتارة يكون في القيام، كما قد بيناه في غير هذا الموضع.
وأما حجة الوداع وإن اشتبهت على كثير من الناس، فإنما أتوا من جهة
الألفاظ المشتركة؛ حيث سمعوا بعض الصحابة يقول: إنه تمتع بالعمرة إلى الحج
وهؤلاء أيضا يقولون: إنه أفرد الحج. ويقول بعضهم: إنه قرن العمرة إلى الحج
ولا خلاف في ذلك فإنهم لم يختلفوا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحل من
إحرامه، وأنه كان قد ساق الهدي ونحره يوم النحر، وأنه لم يعتمر بعد الحجة في