تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن تفاوت الناس فيه و ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (البقرة: 286) . ?

والحق أن المجتهد منهم ومن غيرهم يخطئ ويصيب، بل قال أهل الأصول:

إن اجتهاد الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام - قد يقع فيه الخطأ. ولكن الله لا يقرهم

عليه، بل يبين لهم الحق فيه، وأنى للأئمة الأربعة وغيرهم بذلك. والمقلدون يأخذون

بما صح في مذاهبهم، وإن بحث العلماء فيه، وبينوا مخالفته للدليل، وليراجع

أصول الكرخي.

أما الدلائل على بطلان التقليد؛ فقد بيناها بالتفصيل في مقالات خاصة وفي

تفسير القرآن، وفي كثير من الفتوى وغيرها، فلا سبيل إلى إعادتها هنا، بل عليه

أن يراجعها في مجلدات المنار السابقة، وله بعد ذلك أن يذعن لها أو أن يرد عليها إن

استطاع، ونحن نعده بنشر رده في المنار؛ بشرط أن لا يتعدى البحث في

الموضوع إلى ما ليس منه؛ كما فعل في هذه الرسالة. ومن أقدم ما كتبناه تفصيلا

في ذلك (محاورات المصلح والمقلد) وفيها نصوص الأئمة في بطلان التقليد لهم

ولغيرهم، وهي مطبوعة على حدتها في كتاب، فله أن يطلبه من مصر وثمنه مع

أجرة البريد روبية واحدة.

وقد طبع في هذا الأيام أجزاء من كتاب (الأم) للإمام الشافعي؛ وعلى هامشه

مختصر صاحبه الإمام المزني، وهو مفتتح بهذه العبارة بعد البسملة (قال: أبو

إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني - ورحمه الله -: اختصرت هذا الكتاب من علم

محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله ومعنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه

عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه، وبالله التوفيق) .

ثم ماذا يريد المنتقد من حصره الإنكار في تقليد الأئمة الأربعة؛ فيما فهموه من

الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟ هل يريد أنه يجب تقليدهم فيما فسروا به القرآن،

وشرحوا به الحديث وأقوال الصحابة. وعدم تقليدهم فيما اجتهدوا فيه من الأحكام

التي لم يصرحوا بأخذها من هذه المصادر الثلاثة، إن كان يريد هذا وهو ظاهر

عبارته الأولى؛ فقد هدم معظم الفقه الذي يدين الجمهور بتقليده خصوصا فقه الحنفية،

وإلا فليدلنا على تفسير الإمام أبي حنفية للقرآن، وشرحه للأحاديث وأقوال الصحابة

ليقلدها من يتبع رأيه الجديد، ويترك ما عداها من مسائل الفقه المأخوذة بالقياس

والاستحسان. وإن كان يقول بقول عامة المقلدين أنه يجب تقليد ما في هذه الكتب

من غير القيد بالالتفات إلى مآخذها؛ فما هو معنى العبارة الأولى؟

الموضوع طويل الأذيال، واسع الأردان، صنف العلماء فيه مصنفات كثيرة

وأحسن ما رأيناه فيه؛ هو ما كتبه الإمام ابن القيم في كتابه (أعلام الموقعين)

المطبوع في الهند، ونقلنا كثيرا منه في المجلد السادس، فعلى المنتقد أن يقرأ ما

كتبنا، وما كتب هذا الإمام وغيره في المسألة، ثم يكتب بعد ذلك ما يظهر له أنه

الحق إن كان طالبا له. وليعلم أن جماهير المسلمين قد أهملوا الاهتداء بالكتاب

والسنة؛ اكتفاء بهذا الفقه، ثم أهملوا هذا الفقه فقل فيهم من يتعلمه، وقل في

متعلميه من يعمل به، حتى صار الإسلام عند الأكثرين جنسية لا هداية، وقد أخذهم

الله بذنوبهم، وإننا نعتقد اعتقادا جازما أنه لا ترجى لهم هداية إلا بدعوة الكتاب

والسنة والرجوع بالدين إلى ما كان عليه في عهد السلف، ولا نجد حائلا دون هذا

إلا التقليد الذي صار على بطلانه في نفسه اسما بلا مسمى، وهو مع ذلك لا يزيد

المسلمين إلا تفرقا واختلافا وضعفا وهلاكا فنحن نحاول هدمه، وندعو المسلمين

كافة - لا المنتمين إلى المذاهب الأربعة فقط - إلى الاهتداء بما لا خلاف فيه بين

أحد منهم؛ لعلهم يرجعون. وإننا لا نجيز لأحد أن يقلدنا، كما يتوهم المنتقد وغيره

من الذين يتبعون فينا الظن، وإنما نحيل الجميع على الكتاب والسنة، ومتى قرأ

كلامنا بإنصاف عرف ذلك، والله الموفق.

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٠٣