بعيد؛ أقل منه ممن أصيبوا في عقولهم، وزين لهم الشيطان أنهم أدركوا من أسرار
الشريعة ما لم يدركه هؤلاء الأئمة؛ حملة الشرع الشريف؛ وإن تقليد أحد الأئمة
المذكورين، أولى من تقليد من ذكرنا من الغواة على فرض أنهم على شيء من العلم
والتقوى. هل أنا الفقير مصيب في هذا الاعتقاد أم لا؟ بينوا تؤجروا ودمتم أفندم.
... ... ... ... ... ... ... ... ... محسوبكم المطيع
... ... ... ... ... ... ... ... أحمد موسى المنوفي
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... بكلكته
(المنار)
تعجلنا بنشر هذه الرسالة برمتها على مجيئها قبيل إتمام المنار، وعلى قيام
القرائن السابقة واللاحقة عندنا، بل الدلائل الناطقة على سوء اعتقاد صاحبها بنا،
وظنه أنه قادر على دحض حجتنا والتنفير عن خطتنا، بل على كونها ليست شرطنا
في انتقاد المنار، وهو أن يذكر لنا المنتقد شيئا مما نشرناه، ويبين بطلانه بالدليل
أو يطالبنا بالدليل عليه إذا نحن أوردناه غفلا. وليس منه أن يحاسبنا على نيتنا
وكسبنا، أو يعرض بسبنا وثلبنا، أو يخترع لنا رأيا ويسألنا عنه. نشرنا الرسالة على
هذه كله؛ لنبين لمرسلها أن ما فيها ليس بالشيء الذي يسمى انتقادا، وأننا فيما نحن
عليه من البصيرة ولبينة في الدين، لا نحفل بقول من يقول أو يكتب أننا نخطئ
الأئمة الأربعة، وإن كان ذلك مما ينفر عن المنار جماهير العوام، وكثيرين ممن
يعدون من الخواص؛ الذين يجلون هؤلاء الأئمة إجلالا خياليا تقليديا، لا يوازي
معشار إجلالنا الحقيقي لهم رحمهم الله وجزاهم خيرا.
وأول ما نقوله في الجواب: إن طريقتنا التي جرينا عليها في المنار ليست
من الوسائل التي يلتمس بها (القوت) - لو كنا معوزين - لأنها مخالفة لأهواء
الأكثرين وآرائهم، ومظنة لأن تكسد سوقها فيهم، وإنما يلتمس القوت من يلتمسه من
أصحاب النفوس الصغيرة؛ من حملة الأقلام بما يرضي الجمهور. وقد صرحنا في
مقدمة المنار بأننا أنشأناه ونحن نتوقع عدم رواجه، وأن أهل الخبرة والرأي
أنذرونا ذلك، ثم ظهر لنا صدق ذلك، وظل المنار أربع سنين لا يأتي من اشتراكه
إلا جزء قليل ينفق عليه، وهو الآن على سعة انتشاره لا يعد ربحه مقصودا لمن
يقدر أن يربح بغيره؛ إذا تركه أضعاف ما يربح منه، وقد تمر السنين ولا نطالب
أكثر المشتركين بقيمة الاشتراك، بل نترك ذلك لأمانتهم، وما هذا شأن من يعمل
لأجل القوت. ولسنا من محرري الجريدة؛ كما قال في فضوله الذي يشبه سائر
أقواله في كونه رجما بالغيب. ثم إننا لقينا من الإيذاء في سبيل المنار ما يعرفه
الكثيرون إجمالا وتفصيلا، ولا نطيل فإن الإخلاص صلة بين العبد وربه، ومن لم
ير في دعوتنا إلى انتقاد ما نكتب، ونشر ما ينتقد علينا، آية على أننا لا نريد إلا
بيان الحق، فله أن يسيء الاعتقاد بنا كيف شاء، وعلينا أن نسأل له العفو والمغفرة
والهداية من الله تعالى. ثم إننا نتكلم في المقصد فنقول:
ملخص الجوهر في كلامه، أننا ننكر على من نظروا فيما فهم الأئمة الأربعة
من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فاتبعوا منه ما رأوه صوبا، وردوا ما رأوه
خطأ، وسمي هذا الاتباع تقليدا؛ وهو لو وجد لا يعد تقليدا، ونحن لم ننكر ذلك
قط، فإن أصر على زعمه، فليبين لنا مكانه من المنار، وإنما ننكر التقليد في الدين
وهو الأخذ بقول القائل من غير دليل؛ لما قام عندنا من الحجج والدلائل على بطلانه
وبذلك قال الأئمة الأربعة وغيرهم من أهل العلم، وما أجاز التقليد إلا ضعفاء
المقلدين الذين خالفوا أئمتهم في استباحة التقليد. أما كون الأئمة أصابوا في فهم
الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؛ فهو لا يمنع بطلان التقليد في نفسه؛ إذ لا ينقض
دلائله، بل ربما يؤكده؛ لأن ما جاز لهم جاز لغيرهم؛ لأنه ليس وحيا اختصهم الله
به، وجعله فوق كسب سائر البشر، بل هو أمر ممكن يتناوله كسب كل كاسب،