مبانيه هي تنازع البقاء وحفظ النوع والتزاحم على الأسهل والاعتماد على القوة
وطلب الغايات، وحب الرئاسة وحرص الادخار ومجاراة الظروف وعدم الثبات
على حال إلى غير ذلك وكلها قواعد شر ومجالب ضر لا يلطفها غير ناموس
شريف واحد مودوع في فطرة الإنسان وهو إذعانه الفكري للقوة الغالبة أي معرفته
الله بالاهتمام الفطري الذي هو إلهام النفس رشدها ﴿فألهمها فجورها وتقواها﴾ (الشمس: 8) .
ولا ريب في أن الفطرة الدينية في الإنسان علاقة عظمى في شئون حياته؛
لأنها أقوى وأفضل وازع يعدل سائر نواميسه المضرة ويخفف مرارة الحياة التي لا
يسلم منها ابن أنثى، وذلك بما يؤمله المؤمن من المجازاة والمكافأة والانتقام منه وله
(مرحى) .
وعند تدقيق النظر في حالة جميع الأديان والنحل تدقيقا تاريخيا توجد كلها
ناشئة عن أصل بسيط سماوي لا ترى فيه عوجا ولا أمتا ويوجد أن كل دين كان في
أوله باثا في أهله النظام والنشاط وراقيا بهم إلى أوج السعادة في الحياة إلى أن يطرأ
عليه التأويل والتحريف والتفنن والزيادات رجوعا إلي أصلين اثنين:
(الإشراك بالله. والتشديد في الدين) ؛ فيأخذ في الانحطاط بالأمة ولا يزال نازلا
بها إلي أن تبلغ حالة أقبح من الحالة الأصلية الهمجية فتنتهي بالانقراض أو الاندماج
في أمة أخرى. أو بتدارك الله تلك الأمة بعناية فيبعث لهم رسولا يجدد دينهم أو
يخلق فيهم أنبياء أو حكماء يصلحون لهم ما فسد من دينهم كما حصل ذلك في الأمم
الماضية كعاد وثمود وكالسريان وإسرائيل وكنعان وإسماعيل وكما قال الله
تعالى: ﴿وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون﴾ (التوبة: 115)
وعند التأمل يوجد الشرك والتشديد كأنهما أمران طبيعيان في الإنسان يسعى
وراءهما جهده بسائق النفس وقائد الشيطان؛ لأن النفس تميل إلي عبادة المشهود
الحاضر أكثر من ميلها إلى عبادة المعقول الغائب، ومفطورة على التشديد رغبة في
التميز، والشيطان يسعف النفس بالتسويل والتأويل والتحويل والتضليل إلى أن
يفسد الدين (مرحى) .
ثم إذا دققنا النظر في حالة الإسلامية في القرون الأخيرة نجدها عند أكثر أهل
القبلة قد أصابها بعض ما أصاب غيرها من الأديان قبلها كما أخبرنا الله تعالى
بقصصها في كتابه المبين ووعدنا بوقوعنا فيه سيد المرسلين وأرشدنا إلى طرائق
التخلص منه إن كنا راشدين.
أعني بذلك ما طرأ على الإسلامية من التأويل والتحريف في بعض أصولها
وكثير من فروعها حتى استولى عليها التشديد والتشويش وتطرق إليها الشرك الخفي
والجلي على يمينها وشمالها فأمست إلى التجديد بتبيين الرشد من الغي وعندي أن
هذه الحال وأعظم سبب الفتور المبحوث فيه قال الله تعالى: {ومن أعرض عن
ذكري فإن له معيشة ضنكا} (طه: 124) (مرحى) .
وأنتم أيها السادة الأفاضل في غناء عن إيضاح ذلك لكم بوجه التفصيل.
قال (الأستاذ الرئيس) : إني أرى أن البحث في أعراض الداء وأسبابه
وجراثيمه وما هو الدواء وكيف يستعمل قد نضج أو كاد، وقد قررنا في اجتماعنا
الأول أننا سنبحث في ما هي الإسلامية وما يتبع ذلك مما أدرجناه في برنامج
المباحث، وإني أرى تقرير أخينا العالم النجدي نعم المدخل لنقل البحث ولا سيما
إذا تكرم بتفصيل ما أجمله؛ لأن مسائل منشأ الديانات وسنن الله في مسراها
وأسباب طوارئ التغيير والتحريف عليها كلها مسائل مهمة تقضي تدقيق النظر
واستقصاء التحقيق وتحسن فيها الإطالة والاستيعاب عليه، نرجو من العالم النجدي
أن يتكرم بإعادة ما قرره صورة مفصلة في اجتماعنا إذ قد أذن لنا الوقت
بالانصراف اليوم. اه
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
</span></span>
الكاتب: عبد العزيز محمد
-----------------
<span class="footnote">