تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الأصل في القضاء؛ لأن الأحكام القضائية ليست من الأمور التعبدية، وإنما هي

وسائل لمعرفة الحقوق وإعطاء كل ذي حق حقه، ولذلك لا يحل لمن حكم له بشيء

يعلم أنه ليس له أن يأخذه وإن كان القاضي هو الرسول عليه الصلاة والسلام كما يعلم

من الحديث الآتي وهو:

(ح 29) [5] عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من

بعض فأقضي بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما

أقطع له قطعة من النار) ، والألحن بالحجة: هو الأبلغ قولا والأفصح عبارة.

وبقي من أركان الحكم المشاورة، ولا أعرف فيها حديثا مرفوعا يتعلق بالقضاء

وحسبنا الأمر العام بها في القرآن وستأتي شواهدها في آثار السلف.

(ح 30) [6] عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين

على المدعى عليه) قال النووي في شرح مسلم: وفي رواية البيهقي بإسناد حسن

أو صحيح، زيادة عن ابن عباس مرفوعا (لكن البينة على المدعي واليمين على من

أنكر) .

(ح 31) [7] عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلي الله

عليه وسلم قال: (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) .

(ح 32) [8] عن وائل بن حجرة قال: جاء رجل من حضرموت ورجل من

كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال الحضرمي: يا رسول الله إن هذا قد

غلبني على أرض كانت لأبي، قال الكندي: هي أرض في يدي أزرعها ليس له

فيها حق، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي: (ألك بينة؟) قال: لا.

قال: (فلك يمينه) فقال: يا رسول الله! الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أدبر الرجل: (أما لئن حلف على مال

ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض) .

قال الإمام الحافظ الفقيه ابن القيم الجوزية في كتابه (إعلام الموقعين) ما

نصه: البينة في كلام الله ورسوله وكلام الصحابة اسم لكل ما يبين الحق فهي أعم

من البينة في اصطلاح الفقهاء حيث خصوها بالشاهدين أو الشاهد واليمن. لا حجر

في الاصطلاح ما لم يتضمن حمل كلام الله ورسوله عليه فيقع بذلك الغلط في فهم

النصوص. ونذكر من ذلك مثلا واحدا -وهو ما نحن فيه - لفظ (البينة) فإنها في

كتاب الله اسم لكل ما يبين الحق كما قال تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات﴾ (الحديد: 25) وقال: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل

الذكر إن كنتم لا تعلمون * بالبينات} (النحل: 43-44) وقال: {وما تفرق

الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة} (البينة: 4) وقال: {قل إني

على بينة من ربي} (الأنعام: 57) وقال: ﴿أفمن كان على بينة من ربه﴾ (هود: 17) وقال: ﴿أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه﴾ (فاطر: 40) [9]

وقال: ﴿أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى﴾ (طه: 133) وهذا كثير لم

يختص به لفظ البينة بالشاهدين بل ولا استعمل في الكتاب فيها ألبتة.

إذا عرف هذا فقول النبي صلى الله عليه وسلم للمدعي (ألك بينة؟)

وقول عمر: البينة على المدعي، وإن كان هذا قد روي مرفوعا المراد به ألك ما

يبين الحق من شهود أو دلالة؟ فإن الشارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحق

بما يمكن ظهوره به من البينات التي هي أدلة عليه وشواهد له ولا يرد حقا قد ظهر

بدليله أبدا فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها. ولا يقف ظهور الحق على أمر معين

لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة في ظهور الحق أو رجحانه عليه ترجيحا لا يمكن

جحده ودفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرد اليد في صورة من على

رأسه عمامة وبيده عمامة، وآخر مكشوف الرأس يعدو أثره ولا عادة له بكشف

رأسه.

فبينة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدق المدعي أضعاف ما يفيد مجرد اليد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٨٢