اسم يرى وهو أصل للكلام ... فما يتم من دونه قصد لتشبيه
وآخر هو يعطيك الزيادة في ... ما أنت تثبته أو أنت تنفيه
تفسير ذلك أن الأصل مبتدأ ... تلقى له خبرا من بعد تثنيه
وفاعل مسند فعل تقدمه ... إليه يكسبه وصفا ويعطيه [4]
هذان أصلان لا تأتيك فائدة ... من منطق لم يكونا من مبانيه
وما يزيدك من بعد التمام فما ... سلطت فعلا عليه في تعديه
هذي قوانين يكفي من تتبعها ... ما يشبه البحر فيضا من نواحيه
فلست تأتي إلى باب لتعلمه ... إلا انصرفت بعجز عن تقصيه [5]
هذا كذاك وإن كان الذين ترى ... يرون أن المدى دان لباغيه [6]
ثم الذي هو قصدي أن يقال لهم ... بما يجيب الفتى خصما يماريه
تقول من أين أن لا نظم يشبهه ... وليس من منطق في ذاك يحكيه
وقد علمنا بأن النظم ليس سوى ... حكم من النحو نمضي في توخيه [7]
لو نقب الأرض باغ غير ذاك له ... معنى وصعد يعلو في ترقيه [8]
ما عاد إلا بخسر في تطلبه ... ولا رأى غير غي في تبغيه [9]
ونحن ما إن بثثنا الفكر ننظر في ... أحكامه ونروي في معانيه
كانت حقائق يلفى العلم مشتركا ... بها وكلا تراه نافذا فيه
فليس معرفة من دون معرفة ... في كل ما أنت من باب تسميه
ترى تصرفهم في الكل مطردا ... يجرونه باقتدار في مجاريه
فما الذي زاد في هذا الذي عرفوا ... حتى غدا العجز يهمي سيل واديه
قولوا وإلا فاصغوا للبيان تروا ... كالصبح منبلجا في عين رائيه
وقد كان هذا الكتاب كالذي قبله كنزا مخفيا فظفر الأستاذ الشيخ محمد عبده
مفتي الديار المصرية بنسخة منه، وكان عند الأستاذ العلامة اللغوي الشيخ محمد
محمود الشنقيطي نسخة أخرى، وكلاهما كان محرفا ومبدولا فعلم الأستاذ الإمام أن
في المدينة المنورة نسخة منه وفي بغداد أخرى فعمل على استناسخها وصحح
الكتاب هو والأستاذ الشنقيطي بمقابلة النسخ الأربع فكان الكتاب الوحيد الذي اجتمع على تصحيحه أعلم علماء العصر في المعقول والمنقول.
هذا وإن هذا الكتاب أكبر من أسرار البلاغة حجما، وأغزر علما، فهو يزيد
عليه بنحو عشر ملازم، وقد شرعنا بطبعه على ورق جيد وجعلنا قيمة الاشتراك فيه
مع ذلك قيمة الاشتراك في أسرار البلاغة رفقا بمجاوري الأزهر الذين سيكونون
أكثر الناس اشتراكا به؛ لأن الأستاذ الإمام سيقرأه درسا في الأزهر الشريف.
وستكون قيمته بعد تمام الطبع عشرين قرشا أميريا فمن أراد الاشتراك فليدفع إلينا
القيمة ويأخذ بها وصلا بإمضائنا.
-----------------
<span class="footnote">
(1) الشقاشق ج شقشقة بكسر الشين وهي لهاة البعير أو شيء كالرئة يخرجه البعير من فيه إذا هاج، ويقال للفصيح: هدرت شقاشقه، يريدون الانطلاق في القول وقوة البيان، ويقال في مقابل ذلك، خرست الشقاشق.
(2) الراء هنا بمعنى الرأي كما قال ابن نباتة السعدي:
... ... يا أيها الملك الذي أخلاقه من خلقه ورواؤه من رائه
(3) يريد كتاب (دلائل الإعجاز) وهو صريح في كونه هو الواضع لعلم المعاني.
(4) يريد نظم القرآن وأسلوبه وفي هذا البيت تصريح أيضا بأنه هو الواضع للفن.
(5) تزجه بالتشديد تدفعه برفق وتسوقه ومثله التخفيف.
(6) يكسبه من الثلاثي ومنه الحديث (تكسب العدوم) .
(7) التقصي: التتبع.
(8) باغيه: طالبه.
(9) توخي الشيء: تحريه وتعمد طلبه.
(10) صعد بالتشديد رقي كالثلاثي وهو هنا مقابل التنقيب في الأرض الذي فيه معنى التسفل، ويقال صوب النظر وصعده إذا نظر في أسفل الشيء وأعلاه، وعدى نقب بنفسه حاذفا الخافض ولعله كان يراه قياسا والمسموع تعديه بفي [فنقبوا في البلاد] .
(11) تبغاه كابتغاه: طلبه.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">