تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قاضي المسلمين رئيسا للمحكمة العرفية التي تحكم بما لم ينزل الله وبما يتبرأ الدين

الحنيف منه من نحو ربا صريح، ومن إبطال حدود الله التي صرح بها القرآن أو

باستبدال عقوبات سياسية أو تغريمات مالية بها.

ومن نحو معاقبة العباد بمجرد الظن والرأي وشهادة الواحد وشهادة الفاسق

وشهادة العاهرة المجاهرة بما لا يلائم الشرع قطعا، ومن نحو تنفيذ كل حكم

عرفي حق أو باطل بدون نظر فيه، ومن تحصيل ضرائب وغرامات، ومن

توقيف الأحكام الشرعية على استيفاء الرسوم من الأخصام وأموال الأيتام.

ومن أهم دسائس المتعممين أنهم ينفثون في صدور الأمراء لزوم الاستمرار

على الاستقلال في الرأي وإن كان مضرا، ومعاداة الشورى وإن كانت سنة متبعة

والمحافظة على الحالة الجارية وإن كانت سيئة ويلقون عليهم بأن مشاركة الأمة في

تدمير شؤونها وإطلاق حرية الانتقاد لها يخل بنفوذ الأمراء ويخالف السياسة

الشرعية ويلقنونهم حججا واهنة، ولولا أن أمامها جهل الأمة ووراءها سطوة

الإمارة لما تحركت بها شفتان ولا تردد في ردها إنسان.

والأمر الأمر أن أولئك الأمراء يقتبسون من هذه الحجج ما يتسلحون به في

مقابلة من يعترض على سياستهم من الدول الأجنبية بقولهم: إن قواعد الدين

الإسلامي لا تلائم أصول الشورى ولا تقبل النظام والترقيات المدنية، وإنهم

مغلوبون على أمرهم ومضطرون لرعاية دين رعاياهم ومجاراة ميل الفكر العام.

وبهذه القوانين استأثر الجهلاء الفاسقون بمزايا العلماء العاملين واغتصبوا

أرزاقهم من بيت المال ومن أوقاف الأسلاف، فبالضرورة قلت الرغبات في

تحصيل العلوم. وتثبطت الهمم وصار طالب العلم يضطر للاكتفاء ببلغة منه ويشتغل

بالاحتراف للارتزاق، وهكذا فسد العلم وقل أهله فاختلت التربية الدينية في

الأمة فوقعت في الفتور وعمت فيها الشرور.

أجاب الرياضي الكردي: إن هذا الداء خاص ببعض الشعوب الإسلامية

فلا يصاغ سببا للفتور العام الذي نبحث فيه ونتساءل عنه , وعندي أن السبب العام

هو أن علماءنا كانوا اقتصروا على العلوم الدينية وبعض الرياضيات وأهملوا باقي

العلوم الرياضية والطبيعية التي كانت إذ ذاك ليست بذات بال ولا تفيد سوى الجمال

والكمال ففقد أهلها من بين المسلمين، واندرست كتبها وانقطعت علاقتها فصارت

منفورا منها على حكم (المرء عدو ما جهل) بل صار المتطلع إليها منهم يفسق

ويرمى بالزيغ والزندقة، على حين أخذت هذه العلوم تنمو في الغرب وعلى مر

القرون ترقت وظهر لها ثمرات عظيمة في جميع الشئون المادية والأدبية حتى

صارت كالشمس لا حياة لذي حياة إلا بنورها فأصبح المسلمون مع شاسع بعدهم عنا

محتاجين إليها لمجاراة جيرانهم احتياجا يعم الجزيئات والكليات من تربية الطفل إلى

سياسة الممالك ومن استنبات الأرض إلى استمطار السماء، ومن عمل الإبرة

والقوارير إلى عمل المدافع والبوارج، ومن استخدام اليد والحمار إلى استخدام البرق

والبخار.

ولا شك أن المسلمين أصبحوا بعد الاكتشافات الجديدة يستفيدون من العلوم

الطبيعية والحكمية فوائد عظمية جدا بالنظر إلى كشفها بعض أسرار كتاب الله وبالغ

الحكمة المطوية فيه مما كان مستورا إلى الآن وقد خبط فيه المفسرون خبط

عشواء.

بل أضحى المسلمون محتاجين للحكمة العقلية التي كادت تجعل الغربيين أدرى

منا حتى بمباني ديننا كاستدلالهم بالمقايسة على أن نبينا عليه أفضل الصلاة والسلام

أفضل العالمين عقلا وأخلاقا؟ وكإثباتهم بالمقابلة أن ديننا أسمى الديانات حكمة

ومزية.

وعندي أنه لولا هذا القصور، لما وقع المسلمون في هذا الفتور. والأمل بعناية الله أنه بعد زمان قصير أو طويل لا بد أن يلتفتوا إلى هذه العلوم النافعة

فيستعيدوا نشأتهم بل يجلبوا إلى دينهم العالم المتمدن؛ لأن نور المعارف على

قدر إبعاده العقلاء عن النصرانية وأمثالها يقربهم من الإسلامية؛ لأن الدين المملوء

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٥ · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٥ · ص ٧٠