بل في مساجدهم أيضا [4] ويتوجون بها للأعلام من نحو (يا علي، يا شاذلي، يا
دسوقي، يا رفاعي، يا بهاء الدين النقشي، ويا جلال الدين الرومي، يا بكتش ولي)
ومنهم ناس يجتمعون لأجل العبادة بذكر الله ذكرا مشوبا بإنشاء المدائح لغلاة شعراء
المتأخرين التي أهون ما فيها الإطراء الذي نهانا عنه النبي عليه الصلاة والسلام
حتى لنفسه الشريفة فقال: (لا تطروني كما أطرت اليهود والنصارى أنبياءهم [5] )
وبإنشادهم مقامات شيوخية تغالوا فيها في الاستعانة بشيوخهم والاستمداد منهم بصيغ
لو سمعها مشركو قريش لكفروهم؛ لأن أبلغ صيغة تلبية لمشركي قريش قولهم:
(لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك غير شريك واحد تملكه وما ملك) وهذه أخف
شركا من المقامات الشيوخية التي يهدرون بها إنشادا بأصوات عالية مجمتعة وقلوب
محترقة خاشعة كقولهم:
عبد القادر يا جيلاني ... يا ذا الفضل والإحسان
صرت في خطب شديد ... من إحسانك لا تنساني
وقولهم:
الآهم يا رفاعي لي ... أنا المحسوب أنا المنسوب
رفاعي لا تضيعني ... أنا المحبوب أنا المنسوب
إلى غير ذلك مما لا يشك فيه أنه من صريح الإشراك الذي يأباه الدين الحنيف.
ومنهم جماعة لم يرضوا بالشرع المبين فابتدعوا أحكاما في الدين سموها علم
الباطن أو علم الحقيقة أو علم التصوف، علما لم يعرف شيئا منه الصحابة والتابعون
وأهل القرون الأولى المشهود لهم بالفضل في الدين. علما انتزعوا مسائله من
تأويلات المتشابه من القرآن مع أن الله تعالى أمرنا أن نقول في المتشابه منه:
﴿آمنا به كل من عند ربنا﴾ (آل عمران: 7) وقال تعالى: {وما يعلم تأويله إلا
الله} (آل عمران: 7) وقال عز شأنه في حقهم: {وإذا رأيت الذين يخوضون
في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره} (الأنعام: 68) وقال
تعالى: ﴿فاستقم كما أمرت﴾ (هود: 112) وقال تعالى: {فليحذر الذين يخالفون
عن أمره أن تصيبهم فتنة} (النور: 63) وانتزع هؤلاء المداحون أيضا بعض تلك
المزيدات من مشكلات الأحاديث والآثار ومما جاء عن النبي عليه السلام من قوله
على سبيل الحكاية أو عمل على سبيل العادة، أي لم يكن ذلك منه عليه السلام من
قول على سبيل التشريع. أو من الأحاديث التي وضعها أساطينهم إغرابا في الدين
لأجل جذب القلوب كهذا الحديث الذي ننقله بالمعنى وهو (يفتح بالقرآن على الناس
حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل فيقول الرجل قد قرأت القرآن فلم أتبع لأقومن
بهم فيه لعلي أتبع فيقوم به فيهم فلا يتبع، فيقول قد قرأت القرآن وقمت به فلم أتبع،
لأحتظرن من بيتي مسجدا لعلي أتبع فيحتظر من بيته مسجدا فلا يتبع، فيقول قد
قرأت القرآن وقمت به واحتظرت من بيتي مسجدا فلم أتبع، والله لآتينهم بحديث لا
يجدونه في كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله لعلي أتبع) .
ومنهم فئة اخترعوا عبادات وقربات لم يأت بها الإسلام ولا عهد له بها إلى
أواخر القرن الرابع فكأن الله تعالى ترك ديننا ناقصا فهم أكملوه، أو كأن الله جل
شأنه لم ينزل يوم حجة الوداع {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
ورضيت لكم الإسلام دينا} (المائدة: 3) أو كأن النبي عليه السلام لم يتمم كما
يزعمون تبليغ رسالته فهم أتموها لنا، أو كتم شيئا من الدين وأسر به إلى بعض
أصحابه وهم أبو بكر وعلي وبلال رضي الله عنهم، وهؤلاء أسروا به إلى
غيرهم وهكذا تسلسل حتى وصل إليهم فأفشوه لمن أرادوا من المؤمنين؛ تعالى الله
ورسوله عما يأفكون , أليس من الكفر بإجماع الأمة اعتقاد أن النبي عليه السلام
نقص التبليغ أو كتم أو أسر شيئا من الدين (مرحى) .
ومنهم جماعة اتخذوا دين الله لهوا ولعبا فجعلوا منه التغني والرقص ونقر
الدفوف ودق الطبول ولبس الأخضر والأحمر واللعب بالنار والسلاح والعقارب
والحيات يخدعون بذلك البسطاء ويسترهبون الحمقى.