شعرا) ، ولهجت به وتركت قوله صلى الله وعليه وسلم: (إن من الشعر لحكمة
وإن من البيان لسحرا) [6] وكيف نسيت أمره صلى الله وعليه وسلم بقول الشعر
ووعده عليه الجنة، وقوله لحسان: (قل وروح القدس معك) ، وسماعه له،
واستنشاده إياه، وعلمه صلى الله عليه وسلم به، واستحسانه له، وارتياحه عند
سماعه؟
(أما) أمره به فمن المعلوم ضرورة، وكذلك سماعه إياه فقد كان حسان وعبد
الله بن رواحة وكعب بن زهير يمدحونه، ويسمع منهم، ويصغي إليهم، ويأمرهم
بالرد على المشركين [7] فيقولون في ذلك ويعرضون عليه , وكان عليه السلام يذكر
لهم بعض ذلك كالذي روي من أنه صلى الله عليه وسلم قال لكعب: (ما نسي ربك
وما كان ربك نسيا شعرا قلته) [8] قال: وما هو يا رسول الله؟ قال: (أنشده يا أبا
بكر) فأنشد أبو بكر رضوان الله عليه:
زعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب [9]
(وأما) استنشاده إياه فكثير، من ذلك الخبر المعروف في استنشاده حين استسقى فسقي قول أبي طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامي عصمة للأرامل
يطيف به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
الأبيات. وعن الشعبي رضي الله عنه عن مسروق عن عبد الله قال: لما نظر
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى القتلى يوم بدر مصرعين، فقال صلى الله عليه
وسلم لأبي بكر رضي الله عنه (لو أن أبا طالب حي لعلم أن أسيافنا قد أخذت
بالأنامل) قال: وذلك لقول أبي طالب [10] :
كذبتم وبيت الله أن جد ما أرى ... لتلتبسن أسيافنا بالأنامل
وينهض قوم في الدروع إليهم ... نهوض الروايا في طريق حلاحل
ومن المحفوظ في ذلك حديث ابن مسلمة الأنصاري [11] ...
جمعه وابن أبي حدرد الأسلمي الطريق، قال: فتذاكرنا الشكر والمعروف، قال: فقال محمد: كنا يوما عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال لحسان بن ثابت:
(أنشدني قصيدة من شعر الجاهلية فإن الله تعالى قد وضع عنا آثامها في شعرها
وروايته) فأنشده قصيدة للأعشى هجا بها علقمة علاثة:
علقم ما أنت إلى عامر ... الناقض الأوتار والواتر
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (يا حسان لا تعد تنشدني هذه القصيدة بعد
مجلسك هذا) فقال: يا رسول الله تنهاني عن رجل مشرك مقيم عند قيصر فقال
النبي صلى الله وعليه وسلم: (يا حسان، أشكر الناس للناس أشكرهم لله تعالى،
وإن قيصر سأل أبا سفيان بن حرب عني فتناول مني، وفي خبر آخر: فشعث مني
وإنه سأل هذا عني فأحسن القول) فشكره رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك
وروي من وجه آخر أن حسان قال: يا رسول الله من نالتك يده وجب علينا شكره،
ومن المعروف في ذلك خبر عائشة رضوان الله عليها أنها قالت: كان رسول الله
صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول (أبياتك) فأقول:
ارفع ضعيفك لا يحر بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نمى
يجزيك أو يثني عليك وأن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
((يتبع بمقال تال))
-----------------
<span class="footnote">
(1) صرع بالتشديد كصرع بالتخفيف والضمير في منها لنشوة السكر ومن شأن المنتشى أن يتلف ماله فيخرج غارما وأن للإمارة نشوة أدعى إلى الغرم، وسكره أبعث على الظلم، ومثل عمر من يخرج منها وهو سالم، لا ظالم ولا غارم.
(2) الشرب بالفتح جماعة الشاربين.
(3) العائم ذوالعيمة (كخيمة) وهي شهوة اللبن مع فقده.
(4) عي: عجز أصله عيي فأدغم.
(5) حديث رواه أحمد والشيخان وأصحاب السنن وغيرهم عن أبي هريرة وعن غيره والرواية المشهورة فيه (حتى يره) أي يفسده، وفي رواية يحذف حتى يريه، وفي أخرى حذف حتى، وقرأها بعضهم حينئذ يريه بالفتح وبعضهم بالضم ولم أر من رواه بالفاء (فيريه) كما في نسخة المصنف وفي رواية ابن عدي عن جابر (لأن يمتلئ جوف الرجل قيحا أو دما خيرا له من أن يمتلئ شعرا مما هجيت به) .
(6) الحديث المشهور رواه أصحاب الصحاح وغيرهم، ورواية المصنف ملفقة من روايتين لقد وردت كل جملة من طريق وأما الجملتان معا فقد جاءتا في حديث ابن عباس عند أحمد وابن ماجه هكذا (إن من البيان سحرا وإن من الشعر حكما) وعند ابن عساكر من حديث علي باللام وله تتمة وهي (وإن من العلم لجهلا وإن من القول عيالا) .