تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بل أبطال مجربون يصيبون ولا يصابون.

هؤلاء العرب هم جنود مدربون من المهد، وهم يفضلون اصطياد الناس على

اصطياد الوحوش وغيرها، ومن الأقوال المأثورة عنهم: إن أحب الأشياء إلى

العربي في الحياة بندقيته ثم جواده وأخيرا زوجته التي يعاملها على ما هو مشهور

كما يعامل البهيمة، وهي قلما تترك البيت، فإذا فعلت تخرج مبرقعة، ولا يرى

وجهها إلا سيدها دون سواه [4] .

والمحارب العربي يكفيه القليل من القوت كحفنة من التين أو التمر تغذوه

النهار بطوله، ولا يعطش ويقوى على الركض مسافات طويلة، ولا يتأثر من الحر،

وإذا حارب العرب حربا دينية فلا يوجد في جيوش الأرض من يضارعهم؛ ذلك

لما في دينهم من الوعود بالجنة لمن حارب ضد المسيحيين [5] , فهم ينالون مقابل

هذا الجهاد مكانا جميلا في السماء، ويحرزون الجياد المطهمة والسلاح الجميل

والنساء الحسان، ومن أجل هذا فهم لا يخافون من الموت في ساحة القتال [6] .

وبعكس ذلك الجندي الفرنساوي أو الأسباني الذي لا دين له على الغالب ولا

هو يؤمن بثواب حتى ولا في هذا العالم، ولا بعقاب في الآخرة، ومن أجل هذا

فهو لا يستميت في القتال ولا يتهالك كالعربي، ذلك ما أردت بيانه هنا إيضاحا

للحالة الراهنة، وهناك أشياء كثيرة مهمة لا تسمح الفسحة بإيرادها، على أن القراء

يدركون من الذي تقدم بيانه راكنة الحركة التي يقوم بها عبد الكريم، وأنها تتطلب

اهتماما خاصا ودراية وتدبيرا عظيما؛ لإنقاذ غوائلها.

وجملة القول أنه إذا كان عبد الكريم قد نجح في مساعيه بغرس البغضاء في

أذهان مواطنيه للأوروبيين فليس في الدنيا ما يقوى على إزالتها، ومهما أتى

الفرنساويون من آيات القتال، ومهما جردوا من الجيوش فإنهم يعجزون عن

استئصال هذه الفكرة القومية التي ستكلف فرنسة على تمادي الزمن أنهارا من الدماء

وأنهارا من الذهب كما كلفت أسبانية.

(المنار)

انتهت المقالة، وقد جاءتنا الأنباء قبل طبع هذه الكراسة من المنار بأن محمد

عبد الكريم يحارب الآن الدولتين معا وهو منتصر عليهما.

-----------------

<span class="footnote">

(1) المنار: يريد بهذا الكلام تحريض أوربة كلها على الريفيين كعادتهم.

(2) (البيان) عادوا إلى ذكر التعصب الذي يرمي به الغرب الشرق كلما شكا من ظلم الاستعماريين أو هب للتخلص من تصلفهم وجشعهم.

(3) المنار: أي التي كان سببها إطلاق الإنكليز العادلين الرحماء مدافعهم على الأهالي العزل من رجال ونساء وأطفال بلا ذنب إلا أن يكون التعصب الذي معناه التألم من ظلم الأجنبي المستعبد لهم.

(4) المنار: إنها على هذا أفضل عند العرب من الزوجة الإفرنجية التي يرى غير زوجها لا وجهها فقط بل سائر بدنها أيضا.

(5) المنار: هذه التهمة اختلقها الصليبيون واستغلها الماديون والملحدون من سلائلهم، والصواب أن القرآن نطق بأن النصارى أقرب الناس مودة للمسلمين؛ ولكن الإفرنج عادوا المسلمين وسلبوا ملكهم، ثم كانوا معهم مضرب المثل (رمتني بدائها وانسلت) فهم يتهمونهم بذلك لتطيعهم شعوبهم الحرة، وتوافقهم على استمرار استعبادهم واضطهادهم لهم.

(6) هذا أهم أسباب عناية الإفرنج بإفساد عقائد المسلمين وإبطال ثقتهم بدينهم، وقد كان تأثير مدارسهم ومدارسنا المقلدة لهم في تمكينهم من استعباد المسلمين وسلب ملكهم أعظم من تأثير أساطيلهم وجيوشهم، وإن ملاحدة المتفرنجين منا لشر منهم وأضر، لعنة الله عليهم.</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٦٧