الأكبر من قبيلة بني زروال تحت زعامة ابن مناله وهو زعيم كثير الطموح صمم
العزيمة عندما وجد نفسه في مركز منيع يخطب وده فيه الفرنساويون من جهة وعبد
الكريم من جهة أخرى على سياسة مزدوجة.
وكان في هذا الوقت أحد مناصري عبد الكريم وهو الفقيه الزهاري قد ناجز
الشريف حرقاوي في وقعات عديدة، لم يكن فيها نصر فاصل لأحدهما، فابن مناله
حافظ على خطة الحياد وهو لكي يقي رجاله من أن يستميلهم الفرنساويون أو
العرب إليهم، ويحفظ ما له من السيطرة عليهم مال إلى استعمال القسوة فيهم؛ فأدى
ذلك إلى تذمر شديد بينهم، فعلم عبد الكريم بذلك؛ لأنه كان يرقبهم بعين ساهرة،
وسعى إلى اغتيال ابن مناله بوسائل مختلفة أهمها الرشوة والوعود التي بذلها لمحبي
الزعامة فيهم.
كان ذلك في شهر مارس (آذار) من هذا العام، فلما تخلص عبد الكريم من
ابن مناله وتمكن بدهائه من إزالة ما للحرقاوي من النفوذ، أدرك أنه قد أصبح في
مركز منيع يساعده على مهاجمة فرنسة؛ فحشد جموعه على ما علمنا قريبا من تازه
على مسافة ثلاثين ميلا من فاس شمالا بشرق، وأرسل كتائب من أنصاره؛ لتعيث
فسادا في منطقة متالزا الفرنساوية على التخوم التي تفصل بين مراكش الأسبانية
ومراكش الفرنساوية، وكان الفرنساويون قد أنشأوا على مقربة من تازه عدة مراكز
عسكرية، وعمل فرنسة في إنشاء تلك المراكز خطأ فاضح من الوجهة الحربية.
ذلك أن مثل هذه المواقع العسكرية التي عرفت أسبانية بعد فوات الوقت أنها
علة شقائها، والتي أمر المسيطر الأسباني دي ريفيرا بتخليتها في الحال يمكن
قطعها عن مجموع الجيش بسهولة ومحاصرتها ومنع النجدات عنها، ولما كان عبد
الكريم قد عرف باختباراته الماضية ملاءمة هذه المواقع العسكرية لحركاته لم يضيع
دقيقة من الوقت في التردد في مهاجمتها؛ لعلمه بأن ذلك هو الشيء الوحيد الذي
يكسبه التفوق (أولا) لأنها قريبة (وثانيا) لأن فصلها عن بقية الجيش سهل
للغاية (وثالثا) لأن أول انتصار يحرزه مهما يكن قليل الشأن ينشط أتباعه،
ويثير في صدورهم روح الشجاعة ويحملهم على المخاطرة والإقدام.
وأنا أعتقد أن المواقع العسكرية الفرنساوية المحصورة المسلحة بمدافع رشاشة
وغيرها عديدة ستتمكن من المقاومة وقتا طويلا، ولكن الصعوبة هي في طريقة
تمكن فرنسة من إمدادها بالمؤن والذخائر، فإذا لم يحصل المحصورون على أقوات
جديدة ومياه صالحة للشرب تصير مقاومتهم عديمة الجدوى، وبما أن الريفيين
يدركون هذه الأمور فهم قد زادوا عدد المراقبين للطرق المؤدية إلى تلك المعاقل
لكي يحولوا - مهما كلفهم ذلك - دون وصول أقوات إلى الرجال الذين فيها والذين
يعدهم الريفيون الآن من أسراهم.
وطريقة العرب في الحرب هي أن لا يوجدوا مقاومة رسمية منظمة إلا ما كان
منها في الأقاليم الجبلية أو في الأماكن الملائمة لهم بنوع خاص، فأساليبهم الحربية
منحصرة في الدفاع عن موقف معلوم وقتا معلوما عندما يهاجمهم العدو، ومن ثم
ينهزمون منه اختيارا يوهمون مهاجميهم إمكان الظفر بهم بسهولة، ولكنهم يعودون
ذات ليلة أو في نفس تلك الليلة كأنما قد خرجوا من جوف الأرض، ويقومون
بمهاجمة عنيفة، فهذه الطريقة قد مكنتهم من أعدائهم، وسهلت لهم الحصول على
الغنائم والأسلاب، وتبديد شمل العدو.
فالجيش الفرنساوي المؤلف من 12000 رجل تحت قيادة الجنرال ليوتي في
الوقت الحاضر لا يكفي لسوى حماية مدينة فاس وأرباضها، على أنه لا يقوى على
الحراك أو على مناهضة عبد الكريم إلا بعد أن تصله النجدات المنتظرة من الجزائر،
وهي فيما يقال: ستكون متراوحة في العدد بين 15000 و 20000 جندي،
وعندها يزحف إلى إنقاذ المعاقل العسكرية المحصورة على أن تلك النجدات سوف
تلاقي صعوبات جمة في الوصول إليه؛ لأنها مضطرة إلى عبور نهر أوترغا،
وهو في هذه الأيام بحالة فيضان يتعذر معها عبوره.