تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجرح بطرو ابن ألونزو، فأمره أبوه بالرجوع، فأصر على البقاء بجانب أبيه،

فأمر أتباعه بحمله إلى معسكر كونت أورينه فاحتملوه مثخنا جراحا، ولبث الدون

بمائتين من رجاله، يناضلون حتى فنوا عن آخرهم.

وتحصن الدون بين صخرين يتقي بهما، فبصر به الفهري فقصده واستحر

الصراع، وألح الفهري وطمع في قرنه، وكانا متماثلين في ثبات الجنان مع قوة

الأضلاع وتوثق الخلق، فصاح ألونزو بخصمه (لا تحسبن نفسك وقعت على صيد

هين، فأنا الدون ألونزو دراغيلار) فأجابه المغربي (إن كنت أنت الدون ألونزو

فاعلم أنني أنا الفهري) ثم كوره صريعا، ومات بموته مثال الفراسة الأسبانيولية

والنموذج الغشمشمية في الأندلس.

واندفع المغاربة ذلك الليل بطوله يطاردون الأسبانيول ولم ينكفئوا حتى لاح

الصباح، فأجلى المعترك عن قتل الدون فرنسيسكو دوناميز المدريدي الذي كان قائد

المدفعية الأكبر، وكانت له المواقف المشكورة في حصار غرناطة، لكن مصرع

الدون ألونزو دواغيلار أنسى الأحزان جميعها، وعند وصول خبر هذه الفاجعة إلى

الملك زحف بالجيش إلى جبال رندة، فسكنت بحضوره النائرة، واشترى بعض

المغاربة أرواحهم فجازوا إلى إفريقية، واحتمى آخرون بالنصرانية , وأما أهل البلد

الذي قتل فيه الدعاة فسلكوا في سلسلة العبودية، وبحث الملك عن جثة الدون

فوجدوها بين مائتي جثة من الأسبانيول، فيها أجساد عدد من الأمراء والكبراء،

فحملوها إلى قرطبة في مشهد حافل، بين مدامع كالسحب الهواطل، ودفن في

كنيسة مار هيبو ليتو، وندبه الأسبانيول دهرا طويلا) انتهى كلامه مجملا.

وذكر المؤرخ الفرنسي الشهير فيكتور دروى في تاريخه ما يأتي ملخصا (أن

أسبانية تخلصت من العرب لكنها بقيت حافظة عليهم إحنة شديدة، ربتها في قلوبهم

ثمانية قرون قضتها معهم في الحرب، وكان لذلك العهد سكان الجزيرة أخلاطا من

مسلمين ونصارى ويهود، فعول فرديناند على توحيد الهيئة بوحدة الاعتقاد؛ تعزيزا

للدولة، فأنشأ ديوانا جديدا للتفتيش، وكان الملك هو الذي يعين الرئيس والمفتش

الكبير، ويضع يده على أملاك المحكوم عليهم، وكان هؤلاء في البداية من

النصارى المتهودين والمسلمين المتنصرين ظاهرا الباقين في الباطن أمناء لمحمد

(صلى الله عليه وسلم) ثم شملت أحكام الديوان أهل البدع السياسية كالبدع الدينية

أيضا.

وسنة 1492 قرر ديوان التفتيش المذكور طرد اليهود من إسبانية بعد أن

سلبوهم أموالهم، وقد قدر بعض المؤرخين المعاصرين لتلك الحادثة عدد من خرج

منهم 800 ألف (قلت: منهم جماعة وافرة بأزمير وأقوام بالآستانة هاجروا إليها في

تلك الكائنة، ومنذ خمس سنين احتفلوا بعيد مضي الأربعمائة سنة على دخولهم بلاد

الدولة العلية، أكثروا فيه من الدعاء لسلطنة آل عثمان التي هي كهف المطرودين)

والقسم الأكبر منهم هلكوا وعذبوا بما لم يعذبه أحد من العالمين، وسنة 1499 صدر

أمر بسلب المغاربة حريتهم الدينية التي تقررت لهم بموجب عهد غرناطة، فجلا

منهم جم غفير، ولم يتم خروجهم جميعا حتى القرن التالي في سنة 1609، وهكذا

فازت إسبانية بوحدتها الدينية، لكنها خسرت صناعتها وتجارتها اللتين كان العرب

واليهود أهم عمالها.

وذكر مرة عند كلامه على شرلكان أنه أكمل مقصد فرديناند، فأكره مغاربة

بلنسية على التنصر وأهل غرناطة على ترك زيهم والتكلم بغير لغتهم، وقال

بمناسبة فيليب الثاني أنه اضطهد المغاربة، وضيق عليهم حتى التزموا الثورة سنة

1568، وأوقدوا نيرانهم على تلك الجبال إيذانا بالخروج، وكان يمكنهم بما أمسكوه

من مخانق جبالهم الثبات طويلا لو امتدت إليهم يد معونة من إخوانهم أهل إفريقية،

ففرق فيليب شملهم، وبددهم في مقاطعته، ولم تمض سنون عشر حتى صاروا كلهم

أرقاء.

ثم لنذكر بحسب عادتنا في المقابلة كلام المقرئ في هذه الوقائع الأخيرة، وهو

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ٦١