ليس بطاعة ولا عبادة [9] .
ونحو ذلك العهود التي تتخذ على الناس لالتزام طريقة شيخ معين وعهود أهل
الفتوة ورماة البندق ونحو ذلك , ليس على الرجل أن يلتزم من ذلك على وجه الدين
والطاعة لله إلا ما كان دينا وطاعة لله ورسوله في شرع الله , لكن قد يكون عليه
كفارة عند الحنث في ذلك , ولهذا أمرت غير واحد أن يعدل عما أخذ عليه من العهد
بالتزامه طريقة مرجوحة أو مشتملة على أنواع من البدع إلى ما هو خير منها من
طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم , واتباع الكتاب والسنة إذ كان المسلمون
متفقين على أنه لا يجوز لأحد أن يعتقد أو يقول عن عمل: إنه قربة وطاعة وبر
وطريق إلى الله واجب أو مستحب إلا أن يكون مما أمر الله به ورسوله صلى الله
عليه وسلم , وذلك يعلم بالأدلة المنصوبة على ذلك، وما علم باتفاق الأمة أنه ليس
بواجب ولا مستحب ولا قربة , لم يجز أن يعتقد أو يقال: إنه قربة وطاعة، فكذلك
هم متفقون على أنه لا يجوز قصد التقرب به إلى الله، ولا التعبد به ولا اتخاذه دينا
ولا عمله من الحسنات، فلا يجوز جعله من الدين لا باعتقاد وقول، ولا بإرادة
وعمل، وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم
يكن محرما لا ينهى عنه , بل يقال: إنه جائز [10] ولا يفرقون بين اتخاذه دينا
وطاعة وبرا وبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه دينا
بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما وبالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر
السيئات، وهذا من البدع المنكرات التي هي أعظم من المعاصي التي يعلم أنها
معاصي سيئات.
***
فصل
فلما نهيتهم عن ذلك أظهروا الموافقة والطاعة , ومضت على ذلك مدة والناس
يذكرون عنهم الإصرار على الابتداع في الدين، وإظهار ما يخالف شرعة المسلمين،
ويطلبون الإيقاع بهم، وأنا أسلك مسلك الرفق والأناة، وأنتظر الرجوع والفيئة،
وأؤخر الخطاب إلى أن يحضر (ذلك الشيخ) لمسجد الجامع , وكان قد كتب إلي
كتابا بعد كتاب فيه احتجاج واعتذار، وعتب وآثار , وهو كلام باطل لا تقوم به
حجة، بل إما أحاديث موضوعة أو إسرائيليات غير مشروعة، وحقيقة الأمر الصد
عن سبيل الله وأكل أموال الناس بالباطل , فقلت لهم: الجواب يكون بالخطاب ,
فإن جواب مثل هذا الكتاب لا يتم إلا بذلك، وحضر عندنا منهم شخص , فنزعنا
الغل من عنقه، وهؤلاء هم من أهل الأهواء الذين يتعبدون في كثير من الأمور
بأهوائهم لا بما أمر الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم {ومن أضل ممن
اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين} (القصص: 50) ؛
ولهذا غالب وجدهم هوى مطلق لا يدرون من يعبدون , وفيهم شبه قوي من
النصارى الذين قال الله تعالى فيهم: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق
ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} (المائدة: 77) ؛ ولهذا كان السلف يسمون أهل البدع أهل الأهواء.
فحملهم هواهم على أن تجمعوا تجمع الأحزاب، ودخلوا إلى المسجد الجامع
مستعدين للحراب، بالأحوال التي يعدونها للغلاب , فلما قضيت صلاة الجمعة
أرسلت إلى شيخهم؛ لنخاطبه بأمر الله ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم , ونتفق
على اتباع سبيله، فخرجوا من المسجد الجامع في جموعهم إلى قصر الإمارة وكأنهم
اتفقوا مع بعض الأكابر على مطلوبهم , ثم رجعوا إلى مسجد الشاغو على ما ذكر
لي وهم من الصياح والاضطراب، على أمر من أعجب العجاب، فأرسلت إليهم
مرة ثانية لإقامة الحجة والمعذرة، وطلبا للبيان والتبصرة، ورجاء المنفعة والتذكرة ,
فعمدوا إلى القصر مرة ثانية، وذكر لي أنهم قدموا من الناحية الغربية مظهرين
الضجيج والعجيج، والإزباد والإرعاد، واضطراب الرءوس والأعضاء، والتقلب
في نهر بردى، وإظهار التوله الذي يخيلوا [11] به على الردى، وإبراز ما يدعونه