قد ثبت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر بكتب الناس، وجرى
العمل بذلك في عصره صلى الله عليه وسلم، فقد روى البخاري بسنده عن حذيفة
بن اليمان قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (اكتبوا لي من يلفظ
بالإسلام من الناس) ، فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل، فقلنا: نخاف ونحن ألف
وخمسمائة، فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلي وحده وهو خائف.
وأما العطاء فقد وردت في ثبوته أحاديث كثيرة، فمنها ما رواه أبو داود عن
عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان
إذا أتاه الفيء قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظين، وأعطى الأعزب حظا،
فدعينا، وكنت أدعى قبل عمار، فدعيت فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دعا
بعمي عمار بن ياسر فأعطي حظا واحدا. فثبت مما تقدم أنه صلى الله عليه وسلم
أمر بكتابة الناس في الجيش، وأنه كان يعطي العطاء ويقسم الفيء.
وأن نوع الديوان كان موجودا على عهده صلى الله عليه وسلم، وهذا لا
يخالف ما أطبق عليه أهل الأثر من أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -
أول من دون الدواوين، ورتب الأعطيات في الإسلام، فإنما كانت كتابة الناس في
عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإحصاء من تعين منهم في بعث البعوث،
ولم تكن في وقت معين ولا بمقدار معين، حيث لم يكثر الناس كثرتهم أيام عمر،
ولا جبيت الأموال، ولا تأكدت الحاجة إلى ضبطهم، وأما عمر فقد رتب الناس في
الدواوين، وقدر لهم الأعطيات، وأجرى عليهم الأرزاق على حدود معينة،
وتراتيب مقررة، بعد أن نصب الكتاب، ومسح البلاد والسواد، ونظم أصول
الجباية، لاتساع الحاجة باتساع الفتوح على الإسلام.
***
الكتابة والرسل
والسفارة والترجمة
كان يكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - عثمان بن عفان
وعلي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فإن غابا كتب أبي بن كعب وزيد بن
ثابت، فإن لم يحضر أحد من هؤلاء الأربعة كتب من حضر من الكتاب وهم
معاوية بن أبي سفيان وخالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد والعلاء
الحضرمي وحنظلة بن الربيع، وكان عبد الله بن سعد بن أبي سرح يكتب الوحي
أيضا فارتد عن الإسلام ولحق بالمشركين، فلما فتحت مكة استأمن له عثمان بن
عفان وكان أخاه من الرضاعة، فأمنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحسن
إسلامه.
وأما كتاب الرسائل والأقطاع فزيد بن ثابت وأبي عبد الله بن الأرقم الزهري،
وهذا كان مواظبا على كتابة رسائل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الملوك.
وأما العهود والمصالحات فكان يكتبها له صلى الله عليه وسلم علي بن أبي
طالب رضي الله تعالى عنه.
***
الرسل والسفارة
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرسل الرسل إلى الملوك يدعوهم إلى
الإسلام، فمن أرسله دحية الكلبي أرسله إلى قيصر، وكتب له كتابا يدعوه فيه إلى
الإسلام كما رواه البخاري، وأرسل حذافة السهمي إلى كسرى ملك فارس،
وغيرهما لغير هؤلاء الملوك أيضا، وبعث رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - رسولا إلى ملك الحبشة ليبعث من عنده في بلده من المسلمين.
وأما تراجمة النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد ذكر أرباب السير: أن زيد
بن ثابت الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - كان يكتب للملوك، ويجيب بحضرة
النبي صلى الله عليه وسلم، وكان ترجمانه بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية،
تعلم ذلك بالمدينة من أهل هذه الألسن، وذكر ابن هشام في البهجة نحوا منه.
وكانت ترد على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب بالسيريانية، فأمر
زيد بن ثابت بتعلمها فتعلمها في بضعة عشر يوما، وخرج الترمذي عن زيد بن
ثابت - رضي الله تعالى عنه - قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
أن أتعلم كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتاب قال: فما مر بي نصف
شهر حتى تعلمته له قال: فلما تعلمت كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم، وإذا