أيضا في سراياه التي كان يبعث بها لقتال المشركين، وأولها في السنة الأولى من
الهجرة سرية عبد الله بن جحش، فقد ذكر المؤرخون وأرباب السير أن رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا عبيدة بن الجراح أن يتجهز للغزو، فلما أراد
المسير بكى صبابة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبعث مكانه عبد الله بن
جحش وآخرها جيش أسامة الذي أعده رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
للمسير إلى الشام وعليه مولاه أسامة بن زيد، وتوفي صلى الله عليه وسلم قبل
مسير الجيش، فسيره بعده أبو بكر رضي الله تعالى عنه.
***
مطلب اللواء
وأما اللواء فقد قال أرباب السير: إن أول راية عقدت في الإسلام عقدها
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب بن قصي
في ستين أو ثمانين راكبا من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد، وممن حمل
راية النبي - عليه الصلاة والسلام - ليقاتل بها أبو بكر وعمر وعلي، وحمل رايته
عليه الصلاة والسلام عام الفتح الزبير بن العوام. وذكر أهل السير في أخبار غزوة
بدر الكبرى أنه كان أمام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رايتان سوداوان
إحداهما مع علي بن أبي طالب، والأخرى - وهي راية الأنصار - كانت مع سعد
بن معاذ، وكانت راية النبي - صلى الله عليه وسلم - الخصوصية سوداء تسمى
العقاب، وكان يحملها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد، فلم
يحضر بها حربا إلا وكان الظافر فيها.
***
مطلب تقسيم الجيش
وأما الجيش فقد كان على عهده صلى الله عليه وسلم يقسم إلى خمسة أقسام:
المقدمة، والمجنبتان اليمنى واليسرى، والقلب والساقة، وكان لكل قسم رئيس
يسمى صاحبا، كصاحب المقدمة، وصاحب الساقى إلخ، فقد تولى الساقة بين يدي
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في فتح مكة أبو عبيدة بن الجراح، ويوم
حنين خالد بن الوليد، وتولى بقية الأقسام غيرهم من الصحابة الكرام رضوان الله
عليهم، وكان في وقت المصاف يقدم على الفرسان رئيسا، وعلى الرماة وعلى
المشاة رئيسا، فمن ذلك ما رواه البخاري أن عبد الله بن جبير كان في غزوة أحد
المقدم على الرماة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انضح الخيل عنا
بالنبل [4] لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فاثبت مكانك لا نؤتين من
قبلك) .
***
مطلب الحرس
كان يتولى جيشه عليه الصلاة والسلام في الليل بعض الحرس، فمن ذلك ما
روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما قفل من غزوة بلغه أن رجلا من
المشركين أصيبت امرأته فحلف ليتبعن أثر الجيش؛ ليهريق دما من المسلمين،
فنزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منزلا فقال: (من يكلؤنا ليلتنا؟ فانتدب
رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر) .
***
مطلب حرسه الخصوصي صلى الله عليه وسلم
وكان له صلى الله عليه وسلم حرس خصوصي يحرسونه إذا نام أو كان في
الغزو، وكان من حرسه سعد بن أبي وقاص وسعد بن معاذ وذكوان بن عبد الله
وهذان حرساه يوم بدر على باب العريش الذي بني له يومئذ، ويوم أحد حرسه
محمد بن مسلمة الأنصاري، ويوم الخندق حرسه الزبير بن العوام وسعد بن أبي
وقاص وعباد بن بشر، وحرسه غيرهم من الصحابة، فلما نزل قوله تعالى:
﴿والله يعصمك من الناس﴾ (المائدة: 67) ترك الحرس.
***
مطلب العرفاء
وكان عند العرب عرفاء للأجناد، وهم دون الرؤساء، بهم يتعرفون أحوال
الجيش، واستمر ذلك في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما ثبت
ذلك من حديث طويل رواه البخاري، وذلك في قصة وفد هوازن حين جاؤوه
مسلمين.
وقد كان للجيش في عهده - صلى الله عليه وسلم - عيون تأتي بأخبار العدو،
وطلائع تمهد له الطريق، وحملة سلاح، وغير ذلك من متعلقات الجيوش مما لا
يسع هذا الموجز بسطه، فليراجع في كتب السير والحديث.
***
كتابة الجيش والديوان والعطاء