تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا نقص نوره لم يوال الطلوع كل ليلة، بل يظهر في بعض الليالي ويمتنع من

الظهور في بعض، وليس الأمر كذلك؛ لأنه على نقصانه يظهر كل ليلة حتى يكون

السرار. وقال ابن بابك في نحوه:

كذا البدر يسفر في تمه ... فإن خاف نقص المحاق انتقب

وهكذا ينظر إلى مقابلته الشمس واستمداده من نورها، وإلى كون ذلك سبب

زيادته ونقصه وامتلائه من النور والائتلاف، وحصوله في المحاق، وتفاوت حاله

في ذلك، فيصاغ منه أمثال ويبين أشباه ومقاييس، فمن لطيف ذلك قول ابن نباتة:

قد سمعنا بالغر من آل ساسا ... ن ويونان في العصور الخوالي

والملوك الأولى إذا ضاع ذكر ... وجدوا في سوائر الأمثال

مكرمات إذا البليغ تعاطى ... وصفها لم يجده في الأقوال

وإذا نحن لم نضفها إلى مد ... حك كانت نهاية في الكمال

إن جمعناهما أضر بها الجم ... ع وضاعت فيه ضياع المحال

فهو [19] كالشمس بعدها يملأ الب ... در وفي قربها محاق الهلال

وغير ذلك من أحواله كنحو ما خرج من الشبه من بعده وارتفاعه [20] ،

وقرب ضوئه وشعاعه، في نحو ما مضى من قول البحتري: (دان على أيدي

العفاة) البيتين. ومن ظهوره بكل مكان، ورؤيته في كل موضع كقوله:

كالبدر من حيث التفت رأيته ... يهدي إلى عينيك نورا ساطعا

في أمثال كذلك تكثر، ولم أعرض لما يشبه به من حيث المنظر، وما تدركه

العين نحو تشبيه الشيء بتقويس الهلال ودقته، والوجه بنوره وبهجته، فأنا في

ذكر ما كان تمثيلا، وكان الشبه فيه منويا.

***

فصل آخر

وإن كان مما مضى إلا أن الأسلوب غيره، وهو أن المعنى إذا أتاك ممثلا فهو

في الأكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك إلى طلبه بالفكرة، وتحريك الخاطر له والهمة

في طلبه، وما كان منه ألطف، كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه

أشد.

ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له أو الاشتياق إليه،

ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه من النفس أجل

وألطف، وكانت به أضن وأشغف، وكذلك ضرب المثل لكل ما لطف موقعه ببرد

الماء على الظمأ كما قال:

وهن ينبذن [21] من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي

وأشباه ذلك مما ينال بعد مكابدة الحاجة إليه، وتقدم المطالبة من النفس به،

فإن قلت: فيجب على هذا أن يكون التعقيد والتعمية، وتعمد ما يكسب المعنى

غموضا مشرفا له وزائدا في فضله، وهذا خلاف ما عليه الناس، ألا تراهم قالوا:

إن خير الكلام ما كان معناه إلى قلبك، أسبق من لفظه إلى سمعك، فالجواب: إني لم

أرد هذا الحد من الفكر والتعب، وإنما أردت القدر الذي يحتاج إليه في قوله:

فإن المسك بعض دم الغزال ...

وقوله:

وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال

وقوله:

رأيتك في الذين أرى ملوكا ... كأنك مستقيم في محال

وقول النابغة:

فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع

وقوله: [22]

فإنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب

وقول البحتري:

ضحوك إلى الأبطال وهو يروعهم ... وللسيف حد حين يسطو ورونق

وقول امرئ القيس:

بمنجرد قيد الأوابد هيكل [23] ...

وقوله:

ثم انصرفت وقد أصبت ولم أصب ... جذع البصيرة قارح الأقدام [24]

فإنك تعلم على كل حال أن هذا الضرب من المعاني كالجوهر في الصدف لا

يبرز لك إلا أن تشقه عنه، وكالعزيز المحتجب لا يريك وجهه حتى تستأذن عليه؛

ثم ما كل فكر يهتدي إلى وجه الكشف عما اشتمل عليه، ولا كل خاطر يؤذن له في

الوصول إليه، فما كل أحد يفلح في شق الصدفة، ويكون في ذلك من أهل المعرفة،

كما ليس كل من دنا من أبواب الملوك فتحت له وكان:

من النفر البيض الذين إذا اعتزوا ... وهاب رجال حلقة الباب قعقعوا [25]

أو كما قال:

تفتح أبواب الملوك لوجهه ... بغير حجاب دونه أو تملق

وأما التعقيد فإنما كان مذموما؛ لأجل أن اللفظ لم يرتب الترتيب الذي بمثله

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٦٨