أحدهما إلى الآخر ما يأنس إليه العقل ويحمده الطبع، حتى إنك لربما وجدت لهذا
المثل إذا أورد عليك [7] في أثناء الفصول، وحين تبين الفاضل في البيان من
المفضول، قبولا، ولا ما تجد عند فوح المسك ونشر الغالية [8] ، وقد وقع ذكر الحز
والتطبيق منك موقع ما ينفي الحزازات عن القلب، ويزيل أطباق الوحشة عن
النفس، وتكلف القول في أن للتمثيل في هذا المعنى المدى الذي لا يجارى إليه،
والباع الذي لا يطاول فيه، كالاحتجاج للضرورات، وكفى دليلا على تصرفه فيه
باليد الصناع، وإيفائه على غايات الابتداع، أنه يريك العدم وجودا والوجود عدما،
والميت حيا والحي ميتا، أعني: جعلهم الرجل إذا بقي له ذكر جميل وثناء حسن بعد
موته كأنه لم يمت، وجعل الذكر حياة له كما قال: (ذكرة [9] الفتى عمره الثاني) ،
وحكمهم على الخامل الساقط القدر الجاهل الدنيء بالموت، وتصييرهم إياه - حين
لم يكن ما يؤثر عنه، ويعرف به - كأنه خارج عن الوجود إلى العدم، أو كأنه لم
يدخل في الوجود.
ولطيفة أخرى له في هذا المعنى هي - إذا نظرت - أعجب، والتعجب بها أحق
ومنها أوجب، وذلك جعل الموت نفسه حياة مستأنفة، حتى يقال: إنه بالموت
استكمل الحياة في قولهم: (فلان عاش حين مات) يراد: الرجل تحمله
النفس الأبية وكرم النفس والأنفة من العار على أن يسخو بنفسه في الجود والبأس،
ففعل ما فعل كعب بن مامة [10] في الإتيان على نفسه، أو ما يفعله الشجاع
المذكور من القتال دون حريمه، والصبر في مواطن الإباء، والتصميم في قتال
الأعداء، حتى يكون له يوم لا يزال يذكر، وحديث يعاد على مر الدهور ويشهر،
كما قال ابن نباتة:
بأبي وأمي كل ذي ... نفس تعاف الضيم حره
يرضى بأن يرد الردى ... فيميتها ويعيش ذكره
وإنه ليأتيك من الشيء الواحد بأشباه عدة، ويشتق من الأصل الواحد أغصانا
في كل غصن ثمر على حدة، نحو أن الزند بإيرائه [11] يعطيك شبه الجواد،
والذكي الفطن وشبه النجح في الأمور والظفر بالمراد وبإصلاده [12] شبه البخيل
الذي لا يعطيك شيئا، والبليد الذي لا يكون له خاطر ينتج فائدة ويخرج معنى،
وشبه من يخيب سعيه ونحو ذلك. ويعطيك [13] من القمر الشهرة في
الرجل والنباهة والعز والرفعة، ويعطيك الكمال عن النقصان والنقصان بعد
الكمال، كقولهم: (هلال نما فعاد بدرا) يراد بلوغ النجل الكريم المبلغ الذي
يشبه أصله من الفضل والعقل وسائر معاني الشرف كما قال أبو تمام:
لهفي على تلك الشواهد منهما ... لو أمهلت حتى تصير شمائلا
لغدا سكونهما حجى وصباهما ... كرما وتلك الأريحية نائلا [14]
إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيصير بدرا كاملا
وعلى هذا المثل بعينه يضرب مثلا في ارتفاع الرجل في الشرف والعز من
طبقة إلى أعلى منها كما قال البحتري:
شرف تزيد بالعراق إلى الذي ... عهدوه بالبيضاء أو ببلنجرا [15]
مثل الهلال بدا فلم يبرح به ... صوغ الليالي فيه حتى أقمرا
ويعطيك شبه الإنسان في نشأته ونمائه إلى أن يبلغ حد التمام، ثم تراجعه إذا
انقضت مدة الشباب، كما قال:
المرء مثل هلال حين تبصره ... يبدو ضئيلا ضعيفا ثم يتسق [16]
يزداد حتى إذا ما تم أعقبه ... كر الجديدين نقصا ثم ينمحق
وكذلك يتفرع من حالتي تمامه ونقصانه فروع لطيفة، فمن ذلك قول ابن بابك:
وأعرت شطر الملك شطر كماله ... والبدر في شطر المسافة يكمل [17]
قاله في الأستاذ أبي علي، وقد استوزره فخر الدولة بعد وفاة الصاحب وأبا
العباس الضبي، وخلع عليهما [18] . وقول أبي بكر الخوارزمي:
أراك إذا أيسرت خيمت عندنا ... مقيما وإن عسرت زرت لماما [19]
فما أنت إلا البدر إن قل ضوءه ... أغب وإن زاد الضياء أقاما
المعنى لطيف، وإن كانت العبارة لم تساعده على الوجه الذي يحب، فإن
الإغباب أن يتخلل وقتي الحضور وقت يخلو منه، وإنما يصلح لأن يراد أن القمر