تحصل الدلالة على الغرض، حتى احتاج السامع أن يطلب المعنى بالحيلة،
ويسعى إليه من غير الطريق كقوله:
وكذا اسم أغطية العيون جفونها ... من أنها عمل السيوف عوامل
وإنما ذم هذا الجنس؛ لأنه أحوجك إلى فكر زائد على المقدار الذي يجب في
مثله [26] وكدك بسوء الدلالة، وأودع المعنى لك في قالب غير مستو ولا مملس،
بل خشن مضرس، حتى إذا رمت إخراجه منك عسر عليك، وإذا خرج خرج
مشوه الصورة ناقص الحسن.
هذا , وإنما يزيد الطلب فرحا بالمعنى وأنسا به وسرورا بالوقوف عليه إذا
كان لذلك أهلا، فأما إذا كنت معه كالغائص في البحر يحتمل المشقة العظيمة،
ويخاطر بالروح، ثم يخرج الخرز، فالأمر بالضد مما بدأت به؛ ولذلك كان أحق
أصناف التعقيد بالذم ما يتعبك ثم لا يجدي عليك، ويؤرقك ثم لا يروق لك، وما
سبيله إلا سبيل البخيل الذي يدعوه لؤم في نفسه، وفساد في حسه، إلى أن لا
يرضى بضعته في بخله، وحرمان فضله، حتى يأبى التواضع ولين القول؛ فيتيه
ويشمخ بأنفه، ويسوم المتعرض له بابا ثانيا من الاحتمال تناهيا في سخفه، أو
كالذي لا يؤيسك من خيره في أول الأمر فتستريح إلى اليأس، ولكنه يطمعك
ويسحب على المواعيد الكاذبة، حتى إذا طال العناء، وكثر الجهد تكشف عن غير
طائل، وحصلت منه على ندم لتعبك في غير حاصل، وذلك مثل ما تجده لأبي تمام
من تعسفه في اللفظ، وذهابه به في نحو من التركيب لا يهتدي النحو إلى إصلاحه،
وإغراب في الترتيب يعمى الإعراب في طريقه، ويضل في تعريفه.
كقوله:
ثانيه في كبد السماء ولم يكن ... لاثنين ثان إذ هما في الغار [27]
وقوله:
يدي لمن شاء رهن من يذق جرعا ... من راحتيك درى ما الصاب والعسل [28]
ولو كان الجنس الذي يوصف من المعاني باللطافة، ويعد في وسائط
العقود [29] لا يحوجك إلى الفكر، ولا يحرك من حرصك على طلبه بمنع جانبه،
وببعض الإدلال عليك، وإعطائك الوصل بعد الصد، والقرب بعد البعد، لكان
(باقلى حار) ، وبيت معنى هو عين القلادة وواسطة العقد، واحدا [30] ،
ولسقط تفاضل السامعين في الفهم والتصور والتبيين، وكان كل من روى الشعر
عالما به، وكل من حفظه - إذا كان يعرف اللغة على الجملة - ناقدا في تمييز جيده
من رديئه، وكان قول من قال:
زوامل للأشعار لا علم عندهم ... يجيدها إلا كعلم الأباعر
وكقول ابن الرومي:
قلت لمن قال لي عرضت على الأخ ... فش ما قلته فما حمده [31]
قصرت بالشعر حين تعرضه ... على مبين العمى إذا انتقده
ما قال شعرا ولا رواه فلا ... ثعلبه كان لا ولا أسده
فإن يقل إنني رويت فكالدف ... تر جهلا بكل ما اعتقده
وما أشبه ذلك دعوى [32] غير مسموعة ولا مؤهلة للقبول، فإنما أراد بقولهم:
(ما كان معناه إلى قلبك، أسبق من لفظه إلى سمعك) أن يجتهد المتكلم في
ترتيب اللفظ وتهذيبه وصيانته من كل ما أخل بالدلالة، وعاق دون الإبانة، ولم
يريدوا أن خير الكلام ما كان غفلا مثل ما يتراجعه الصبيان، ويتكلم به العامة في
السوق.
هذا , وليس إذا كان الكلام في غاية البيان وعلى أبلغ ما يكون من الوضوح
أغناك ذاك عن الفكرة إذا كان المعنى لطيفا، فإن المعاني الشريفة اللطيفة لا بد فيها
من بناء ثان على أول، ورد تال إلى سابق. أفلست تحتاج في الوقوف على
الغرض من قوله: (كالبدر أفرط في العلو) إلى أن تعرف البيت الأول، فتتصور
حقيقة المراد منه ووجه المجاز في كونه دانيا شاسعا، وترقم ذلك في قلبك، ثم تعود
إلى ما يعرض البيت الثاني عليك من حال البدر، ثم تقابل إحدى الصورتين
بالأخرى، وترد البصر من هذه إلى تلك، وتنظر إليه كيف شرط في العلو الإفراط؛
ليشاكل قوله: (شاسع) ؛ لأن الشسوع هو الشديد من البعد، ثم قابله بما لا
يشاكله من مراعاة التناهي في القرب، فقال: (جد قريب) . فهذا هو الذي أردت
بالحاجة إلى الفكر، وبأن المعنى لا يحصل لك إلا بعد انبعاث منك في طلبه