تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نصب الإمام بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، وقال عن نفسه: إنه يقف في ذلك في

صف جماعة غير قليلة من أهل القبلة. (يعني بعض الخوارج ولا صم) ،

وهو دفاع لا يبرئه من أنه خرج على الإجماع المتواتر عند المسلمين، وحسبه في

بدعته أنه في صف الخوارج لا في صف جماهير المسلمين. وهل وقوفه في

صف الخوارج الذين خالفوا الإجماع بعد انعقاده يسوغ له أن يخرج على إجماع

المسلمين؟ قال في المواقف وشرحه: (تواتر إجماع المسلمين في الصدر الأول

بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم - على امتناع خلو الوقت عن خليفة وإمام،

حتى قال أبو بكر - رضي الله عنه - في خطبته المشهورة حين وفاته عليه

السلام: ألا إن محمدا قد مات، ولا بد لهذا الدين ممن يقوم به، فبادر الكل إلى

قبوله، ولم يقل أحد: لا حاجة إلى ذلك، بل اتفقوا عليه وقالوا: ننظر في هذا

الأمر. وبكروا إلى سقيفة بني ساعدة، وتركوا له أهم الأشياء، وهو دفن رسول الله

- صلى الله عليه وسلم -. واختلافهم في التعيين لا يقدح في ذلك الاتفاق، ولم يزل

الناس على ذلك في كل عصر إلى زمننا هذا من نصب إمام متبع في كل عصر) .

وقد روى مسلم في صحيحه حديث حذيفة، وقد جاء فيه أن النبي - صلى الله

عليه وسلم - قال: (تلزم جماعة المسلمين وإمامهم) ، قلت: فإن لم يكن لهم إمام،

قال: (فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك

الموت) وروى مسلم أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من خلع يدا

من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات

ميتة جاهلية) ، وروى مسلم أيضا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:

(كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي

وستكون خلفاء فتكثر، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: فوا بيعة الأول فالأول، وأعطوهم

حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم) ، وروى مسلم أيضا عن النبي - صلى الله

عليه وسلم - أنه قال: (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، فإن أمر بتقوى

الله - عز وجل - وعدل كان له بذلك أجر، وإن أمر بغيره كان عليه منه) .

(6)

ومن حيث إنه أنكر أن القضاء وظيفة شرعية، فقد قال في ص103:

(والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية كلا، ولا القضاء ولا غيرهما من

وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين

بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع

فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة) .

وكلام الشيخ علي في دفاعه يقضي بأن الذين ذهبوا إلى أن القضاء وظيفة

شرعية جعلوه متفرعا عن الخلافة، فمن أنكر الخلافة أنكر القضاء.

وكلامه غير صحيح؛ فالقضاء ثابت في الدين على كل تقدير تمسكا بالأدلة

الشرعية التي لا يستطاع نقضها، وقد ذكرنا فيما تقدم كثيرا من الآيات والأحاديث

في الحكم والقضاء، وسنذكر شيئا من ذلك فيما يأتي: -

وقال الشيخ علي في دفاعه: (إن الذي أنكر أنه خطة شرعية إنما هو جعل

القضاء وظيفة معينة من وظائف الحكم ومراكز الدولة، واتخاذه مقاما ذا أنظمة

معينة وأساليب خاصة) .

وهو دفاع غير صحيح، فإن عبارته في صفحة 103 فيها إنكار أن القضاء

نفسه خطة دينية، وقد زعم أنه خطة سياسية صرفة لا شأن للدين فيها.

وقد نقل عن ميزان الشعراني في دفاعه (أن الإمام أحمد في أظهر رواياته

يرى أنه -أي: القضاء- ليس من فروض الكفايات، ولا يجب على من تعين له

الدخول فيه وإن لم يوجد غيره) .

وهذا دفاع عن القضاء نفسه. وبذلك يتبين أيضا أنه قد أنكر أن القضاء نفسه

وظيفة شرعية، لا جعل القضاء وظيفة معينة من وظائف الحكم ومراكز الدولة،

واتخاذه مقاما ذا أنظمة معينة وأساليب خاصة. فلزمته التهمة.

واستناده على ما نقله الشعراني في ميزانه عن الإمام أحمد استناد لا ينفعه،

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٤٨