وقال تعالى: ﴿وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾ (الشورى: 15) ، وقال تعالى: ﴿خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ (التوبة: 103) ، وقال تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين
كله لله} (الأنفال: 39) ، وقال تعالى: {قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا
الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (التوبة: 29) ، وقال تعالى:
﴿فقاتل في سبيل الله﴾ (النساء: 84) ، وقال تعالى: {يا أيها النبي حرض
المؤمنين على القتال} (الأنفال: 65) ، وقال تعالى: {وإن جنحوا للسلم
فاجنح لها وتوكل على الله} (الأنفال: 61) ، وقال تعالى: {وإن طائفتان من
المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي
حتى تفيء إلى أمر الله} (الحجرات: 9) .
وكلام الشيخ علي مخالف أيضا لصريح السنة الصحيحة، فقد روى البخاري
في صحيحه أنه صلى الله عليه وسلم قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن
لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا
ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام) ، وروى عن أبي سلمة عن
أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قد
شرب فقال: اضربوه. وروى عن عروة - رضي الله عنه - أن قريشا أهمتهم
المرأة المخزومية التي سرقت، وقالوا: من يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- ومن يجترئ عليه إلا أسامة حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكلم
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: (أتشفع في حد من حدود الله؟) ثم قام
فخطب، فقال: (يا أيها الناس إنما ضل من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف
تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد
سرقت لقطع محمد يدها) .
فهل يجوز أن يقال بعد ذلك في محمد - صلى الله عليه وسلم -: إن عمله
السماوي لم يتجاوز حدود البلاغ المجرد من كل معاني السلطان، وإنه لم يكلف أن
يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه؟
وهل يجوز أن يقال بعد ذلك في القرآن الكريم: إنه صريح في أنه صلى الله
عليه وسلم لم يكن من عمله شيء غير إبلاغ رسالة الله إلى الناس، وليس عليه أن
يأخذ الناس بما جاءهم به، ولا أن يحملهم عليه.
(5)
ومن حيث إنه أنكر إجماع الصحابة على وجوب نصب الإمام، وعلى أنه لا
بد للأمة ممن يقوم بأمرها في الدين والدنيا، فقد قال في ص22: (أما دعوى
الإجماع في هذه المسألة - وجوب نصب الإمام - فلا نجد مساغا لقبولها على أي
حال، ومحال إذا طالبناهم بالدليل أن يظفروا بدليل، على أننا مثبتون لك فيما يلي أن
دعوى الإجماع هنا غير صحيحة ولا مسموعة، سواء أرادوا بها إجماع الصحابة
وحدهم، أم الصحابة والتابعين، أم علماء المسلمين، أم المسلمين كلهم بعد
أن نمهد لهذا تمهيدا) .
ادعى الشيخ علي في ذلك التمهيد أن حظ العلوم السياسية في العصر الإسلامي
كان سيئا، على الرغم من توافر الدواعي التي تحمل على البحث فيها، وأهمها أن
مقام الخلافة منذ زمن الخليفة الأول كان غرضه للخارجين عليه، غير أن حركة
المعارضة كانت تضعف وتقوى. ثم ساق بعض أمثلة يؤديد بها ما يدعيه من أن
الخلافة كانت قائمة على السيف والقوة لا على البيعة والرضا.
ولو سلم للشيخ علي ذلك جدلا لما تم له ما يزعمه من إنكار إجماع الصحابة
على وجوب نصب إمام للمسلمين، فإن إجماعهم على ذلك شيء، وإجماعهم على
بيعة إمام معين شيء آخر. واختلافهم في بيعة إمام معين لا يقدح في اتفاقهم على
وجوب نصب الإمام، أي إمام كان، وقد ثبت إجماع المسلمين على امتناع خلو
الوقت من إمام، ونقل إلينا ذلك بطريق التواتر فلا سبيل إلى الإنكار.
وقد اعترف الشيخ علي عبد الرازق في دفاعه بأنه ينكر الإجماع على وجوب