وأي فرق في العمل بين من يتزوج ومن يزني؟ فلماذا إذا خامرت الإنسان شبهة
في امرأته طلقها، وإذا وجد عندها رجلا متمتعا بعرضها جاز له قتله بدون أن
يقاص ولا يضار لا في الشريعة الإسلامية وحدها [1] ، بل في جميع الشرائع وفي
أحدث القوانين الديموقراطية العصرية الجمهورية؟ إذا قلنا جاء ذلك لتسلط
الزاني على امرأة غيره، أجبناك: إن هذا الزنا إنما وقع برضاها واختيارها فلماذا
جاز للزوج أن يقتل الزاني بامرأته ويذهب دم هذا هدرا؟ ولماذا اتفق أكثر البشر
على كون هذه الكبيرة هي أعظم الكبائر، وإن معرتها أفظع المعرات، وإنه لا يهدم
الشرف والمجد في البيوت مثل دنس الوساد، ولا يرفع الرأس ويريح الوجدان
ويلحف الإنسان الشرف بمطرفيه مثل نقاء العرض وطهارة البيت. لماذا هذا كله؟
مع أنه بينما هو يعد أكبر الكبائر وأفضح المعرات بدون صورة شرعية، إذ هو
بمجرد شهادة اثنين أو بقصاصة ورق انقلب ناموسا عظيما وعملا شريفا، وجاء
والد البنت نفسه يفرح بتهاليل ابنته، واجتمع أهل العروس يطبلون ويزمرون،
ويقبلون التهاني على هذا العمل الذي لولا قصاصة الورق تلك كان استوجب القتل
مما تجد فيه سر الحديث النبوي الشريف (جدع الحلال أنف الغيرة) [2] .
(الجواب) أن الناس اصطلحوا من قديم الدهر على اعتبار هذا العمل
على إثر اتفاق شرعي حلالا وعمرانا للكون وداعيا للفرح والتهنئة، وعلى عده
بدون هذه المعاملة الشرعية فضيحة وجناية وإثما كبيرا. وما هذا الذي رسخ
في الأذهان من هذين الاعتبارين سوى تواطؤ قديم بين البشر، واصطلاح ساروا
عليه منذ قرون لا يعلم بدؤها. وبالجملة فوهم ليس له علاقة بطبيعة العمل نفسه،
نعم هو وهم مقدس، ولكن كونه مقدسا لا يخرجه عن كونه تواطؤا واصطلاحا
ووهما [2] ، إذ الإنسان لا يزال بعيدا عن أن ينسخ أعماله عن الطبيعة رأسا بدون
أوهام وعقائد، وما ينزل على حكم الطبيعة رأسا بدون أوهام وخيالات سوى
الحيوانات.
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... شكيب أرسلان
-----------------
<span class="footnote">
(1) بعد هذه الجملة يجيء ما بعد السطر الحادي عشر من ص 209 إلى آخر ما نشر من المقالة في ص 110 ويلي ذلك قوله.
(2) كرر الكاتب لفظ الأوهام حكاية لأقوال الملاحدة على الطريقة الحديثة.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">