نطلق حرية المرأة، ونكون من أنصار العرض والدين، وقد يصح أن ندعو إلى
السفور، وأن لا نترك أخواتنا يصرن حظايا للآخرين، وما نحسب الأمم التي تدين
بحرية المرأة ولا تعرف للحجاب معنى أقل منا شرف رجال وعفة نساء، ألا وإن
حرية المرأة لا تأتي إلا مع التعليم، ألا وإن المرأة إذا تعلمت وتهذبت كان لها
من علمها حجاب يحجبها عن الفاحشة - وغير ذلك من الأقوال التي كلنا نعلمها،
والتي تكررت كثيرا بحيث قد عرفها العوام فضلا عن الخواص، فأنا أقول لإخواني
هؤلاء: مهلا مهلا. لا تعجلوا علي، ولا تخلطوا شيئا بشيء، فالموضوع عريض
متشعب الأطراف، لا تكفيه مقالة ولا اثنتان ولا ثلاث، فأما السفور مع العفة
والصون وحفظ الأنساب ورعاية أحكام الدين فهو السفور الشرعي الذي يجيز للمرأة
أن تبرز وتتعاطى الأشغال، وتذهب وتجيء، ولا يوجب أن تسدل على وجهها ولا
أن تدفن نفسها في الحياة، وهذا سنكتب فيه مقالة تحت عنوان (وكذلك جعلناكم أمة
وسطا) ولكن لا يجوز أن تنسوا أن هذا السفور لا يشمل إلى حد جواز المخادنة
الجهرية، ولا إلى زواج المسلمة بغير المسلم، وأنه إذا كانت المسألة مقصورة على
هذه الدرجة فليست في شيء من الرقي الذي يبغيه فالح رفقي وعبد الله جودت
والشاب المصري، وكثيرون غيرهم ممن نعرف أسماءهم وممن لم نعرف، فهذا
الرقي هو في عرفهم ليس بأن تمشي المرأة المسلمة في الأسواق سافرة عن وجهها
فحسب، فإن هذه الدرجة هم يعلمونها جائزة شرعا، وطالما برزت النساء
المسلمات، وأخذن وأعطين في العهود الماضية، واشتركن في جلائل الأعمال مع
الرجال، ولم يمنع ذلك شرع ولا عرف، وما جاء من الإفراط في الحجاب وعدم
خروج النسوة من المنازل إلا في الندرى، إن هو إلا من التعصب الناشئ عن
فرط الغيرة، ولم يكن من الدين الإسلامي.
ولكن هذه الفئة لا ترى هذه الدرجة إلا أدنى درجات الرقي الذي يتطلبونه
للنساء المسلمات في هذا العصر، وهم في ترقية المرأة لا يقنعون بشيء دون حرية
الزواج بين المسلمين وغير المسلمين طردا وعكسا، لا بل حرية المسلمات أن
يخادن من شئن على نسق الأوربيات بالتمام، فإن كان هذا الذي تطلبونه أنتم معاشر
الدعاة إلى السفور ولا سيما الذين ناشدوني إعطاء رأيي فيه، فينبغي أن تصرحوا
بكل جرأة وتقبلوه بمتمماته، ولا تقولوا كما قال الشاب المصري (أعوذ بالله) فإن
هذه النظرية هي نظرية مئات ملايين من العالم المتمدين، وحسبكم أن تكونوا مثلهم
في الهيئة الاجتماعية، وإن كنتم لم تصلوا بعد إلى تلك الدرجة من (الرقي) ،
وكان مرادكم إعطاء المرأة المسلمة الحرية المطلقة على شرط أن لا تخدن ولا
تتزوج بغير المسلم أجبناكم: إن هذين نقيضان لا يجتمعان، الحرية المطلقة من
جهة، والتقيد بزواج المسلم دون غيره، وبالزواج الشرعي دون غيره من جهة
أخرى، نعم تنطبق على الشريعة الحرية المقيدة التي إن كنتم بتبغونها فالشريعة
الإسلامية قد ضمنتها أحسن ضمان بدون أدنى من ولا تكلف، فأما الحرية النسوية
المطلقة التامة والإسلام فلا يجتمعان أبدا، وعلى المتخير أن يختار أحدهما، وليس
الإسلام وحده غير مطابق للحرية النسوية المطلقة، بل النصرانية أيضا هي غير
مطابقة لها؛ لأن النصرانية تمنع المخادنة أيضا، وتحظر على الفتاة المسيحية
أن تقترن بغير مسيحي، وتزيد على الإسلام في التقييد في كون الإسلام قيد المسلمة
بزواج المسلم دون غيره، ولكنه أباح للمسلم الزواج بغير المسلمة ولو بقيت على
دينها، وأما النصرانية فإنها تمنع زواج المسيحية بغير المسيحي، وزواج
المسيحي بغير المسيحية، فالإسلام في هذا الموضوع أسمح وأوسع، ثم إن
النصرانية قيدت أبناءها في أمر الطلاق، بحيث لا تجيز للمرأة أن تطلق زوجها،
ولا للرجل أن يطلق امرأته، وإذا أقدما على ذلك لم تجز لهما أن يتزوجا فيما بعد لا