تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صندوق هو من أظهر الكذب باتفاق العارفين بسنته، واللباس الذي يواري السوءة

هو كل ما ستر العورة من جميع أصناف اللباس المباح، أنزل الله تعالى هذه الآية؛

لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة ويقولون: ثياب عصينا الله فيها لا نطوف

فيها، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وأنزل قوله: ﴿خذوا زينتكم عند كل مسجد﴾ (الأعراف: 31) والكذب في هذا أظهر من الكذب فيما ذكر من لباس الخرقة،

وأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تواجد حتى سقطت البردة عن ردائه، وأنه

فرق الخرق على أصحابه، وأن جبريل أتاه، وقال له: إن ربك يطلب نصيبه من

زيق الفقر، وأنه علق ذلك بالعرش، فهذا أيضا كذب باتفاق أهل المعرفة، فإن

النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يجتمع هو وأصحابه على سماع كف ولا سماع

دفوف وشبابات ولا رقص، ولا سقط عنه ثوب من ثيابه في ذلك، ولا قسمه على

أصحابه وكل ما يروى من ذلك فهو كذب مختلق باتفاق أهل المعرفة بسنته.

***

فصل

(شروط لباس خرقة الفتوة)

والشروط التي تشترطها شيوخ الفتوة ما كان منها مما أمر الله به ورسوله:

كصدق الحديث، وأداء الأمانة، وأداء الفرائض، واجتناب المحارم، ونصر

المظلوم، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهد، أو كانت مستحبة: كالعفو عن الظالم،

واحتمال الأذى، وبذل المعروف الذي يحبه الله ورسوله، وأن يجتمعوا على السنة،

ويفارق أحدهما الآخر إذا كان على بدعة ونحو ذلك، فهذه يؤمن بها كل مسلم

سواء شرطها شيوخ الفتوة أو لم يشرطوها، وما كان منها مما نهى الله عنه ورسوله

مثل التحالف الذي يكون بين أهل الجاهلية، إن كلا منهما يصادق صديق الآخر في

الحق والباطل، ويعادي عدوه في الحق والباطل، وينصره على كل من يعاديه

سواء كان الحق معه أو كان مع خصمه، فهذه شروط تحلل الحرام وتحرم الحلال،

وهي شروط ليست في كتاب الله [2] ، وفي الصحيح عنه أنه صلى الله عليه وسلم

قال: (ما بال رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله، من اشترط شرطا

ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله

أوثق) رواه البخاري، وفي السنن عنه أنه قال: (المسلمون عند شروطهم إلا

شرطا أحل حراما أو حرم حلالا) وكل ما كان من الشروط التي بين القبائل

والملوك والشيوخ والأحلاف وغير ذلك فإنها على هذا الحكم باتفاق علماء المسلمين،

ما كان من الأمر المشروط الذي قد أمر الله به ورسوله، فإنه يؤمر به كما أمر الله

به ورسوله، وإن كان مما نهى الله عنه ورسوله فإنه ينهى عنه كما نهى الله عنه

ورسوله، وليس لبني آدم أن يتعاهدوا ولا يتعاقدوا ولا يتحالفوا ولا يتشارطوا على

خلاف ما أمر الله به ورسوله، بل على كل منهم أن يوفوا بالعقود والعهود التي

عهدها الله إلى بني آدم كما قال الله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾ (البقرة:

40) ، وكذلك ما يعقده المرء على نفسه كعقد النذر، أو يعقده الاثنان كعقد البيع

والإجارة والهبة وغيرهما، أو ما يكون تارة من واحد وتارة من اثنين كعقد الوقف

والوصية، فإنه في جميع هذه العقود متى اشترط العاقد شيئا مما نهى الله عنه

ورسوله كان شرطه باطلا.

وفي الصحيح عن عائشة - رضى الله عنها - عن النبي صلى الله تعالى

عليه وسلم أنه قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا

يعصه) . والعقود المخالفة لما أمر الله به ورسوله هي من جنس دين الجاهلية،

وهي شعبة من دين المشركين وأهل الكتاب الذين عقدوا عقودا أمروا فيها بما نهى

الله عنه ورسوله، ونهوا فيها عما أمر الله به ورسوله، فهذا أصل عظيم يجب على

كل مسلم أن يتجنبه.

***

(فصل)

(الفتى والفتوة والزعيم والحزب

والدسكرة وما قالوه فيها)

وأما لفظ الفتى فمعناه في اللغة الحدث كقوله تعالى: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم﴾ (الكهف: 13) ، وقوله تعالى: ﴿قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم﴾ (الأنبياء: 60) ومنه قوله تعالى: ﴿وإذ قال موسى لفتاه﴾ (الكهف: 60) ، لكن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٦ · الصفحة ١٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٦ · ص ١٠٣