تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بنصه العربي موقعا ومؤرخا بخطه الإفرنجي وهو:

حضرة صاحب الفضيلة العلامة الشيخ رشيد رضا صاحب جريدة المنار؛

جوابا على خطابكم أقول: إني عنيت بما كتبت مجموع القوانين الإسلامية التي

تسمونها الفقه؛ لأنها هي التي تجري عليها الأحكام، ولم أعن الدين الإسلامي نفسه

ولذلك قلت في هذا التقرير الأخير وفي غيره بوجوب مساعدة الحزب الإسلامي

الذي يطلب الإصلاح، ويسير مع المدنية من غير أن يمس أصول الدين. ولعل

العبارة التي كتبتها بتقريري كانت موجزة، فلم تؤد المراد تماما، واقبلوا يا حضرة

الأستاذ احترامي الفائق.

... ... ... ... ... ... ... ... في 4 مايو سنة 1907

... ... ... ... ... ... ... ... ... ... كرومر

والقارئ المنصف يرى أن ما استدل به على كونه لا يريد بما كتب الدين

الإسلامي نفسه معقول لا يمكن دفعه بعد تصريحه بأن عبارة التقرير لم تؤد

مراده تمام الأداء، والإنسان أعلم بمراده نفسه. غاية ما كان يقال: إن مراد القائل

يعرف من قوله، وقول اللورد في التقرير يشمل الفقه وينابيعه من الكتاب، ويقال

الآن: إنه استثنى تلك الينابيع بقول آخر مبين لمراده من القول الأول، فليعتبر هذا

القول تصحيحا، أو تخصيصا لسابقه، أو استداركا عليه. ولعل أهل الغيرة

الصحيحة على الإسلام ينشرونه في الجرائد الأوربية؛ ليطلع عليه الأوربيون

الذين قرءوا التقرير، فإنه خير لنا من شهادة بعض المستشرقين بفضل الإسلام؛

لأن المستشرقين يتهمون في أوربا بالتعصب للشرق وأهله.

ولا يعذر من يعدون اللورد كرومر عدوا إذا هم قصروا في نشره؛ إذ يقال لهم

إن شهادة العدو لك أقوى من شهادة الصديق، على أنه بلغنا من مصدر يوثق به،

أن شيخ الأزهر قال للورد عند ما زاره مودعا له: إننا قرأنا العبارة التي ترجمت

عن تقرير جنابكم في الإسلام، فلم نجد طعنا فيه ولا مسا لكرامته، أو ما هذا معناه.

ولعل مراد الشيخ أن ما ذكر من إجازة الرق، ومناقضة أحكام الزوجية لآراء أهل

العصر، وكون الأحكام المدنية الجنائية لا تتغير، كل ذلك صحيح وحسن عند

المسلمين، فإن لم يستحسنه المخالفون فذلك لا يعيبه، فإذا كان مناقضا لآرائهم فهو

موافق لآراء أهله. ونحن معاشر طلاب الإصلاح لا نقول بهذا، ونعده طعنا نبرئ

منه الإسلام دون الفقه، ووافقنا اللورد على ذلك.

أما ما يجب أن يعتبر به المسلم العاقل في هذا المقام؛ فهو أننا نعلم علم اليقين

أنه لو تيسر للمسلمين إنشاء حكومة إسلامية، لما رضي جمهور علمائهم ومن

ورائهم العامة، أن يحكم بغير هذه الكتب الفقهية بما فيها من أحكام الرق والزوجية

وغير ذلك على علاته، ومن أكبر علاته الخلاف الكثير في المسألة الواحدة،

واختلاف التصحيح والترجيح فيها، حتى ورد في بعضها بعد ذكر تصحيح قولين

متناقضين في مسألة من مسائل الطلاق (نحن مع الدراهم قلة وكثرة) أي إن

المرجح لأحد القولين المصححين في المذهب هو الدراهم التي يأخذها المفتي من أحد

المستفتين.

بلغ من جمود فقهائنا على هذه الكتب التي يوجد فيها مثل هذه الفضيحة،

أنهم يعدون العدول عنها إلى كتاب يوضع خاليا من مسائل الخلاف، موافقا لحال

الزمان جناية على الدين نفسه. ومن عجائب هذا الجمود أن شيخ الإسلام العثماني

لا يفتي بمجلة الأحكام العدلية، ولا يأذن لأحد من المفتين الذين يعينهم بالفتوى منها

وإذا ذكر شيء منها في فتوى، فإنما يذكر بعد النص الفقهي من الكتب المعتمدة

عندهم. على أن الدولة لم تعمل عملا شرعيا أفضل من وضع هذه المجلة، فمن لنا

بجمعية من العلماء العقلاء، تدرس بعد التمكن من علم الكتاب والسنة والفقه وقوانين

الأمم، ثم تستخرج من هذه الشريعة كتابا يفوقها عدلا وسهولة، وموافقة لمصالح

البشر في هذا العصر، يكون حجة ناطقة على كل من ينسب القصور إلى الشريعة

أو الدين. وينبغي أن تعزل فيه الأمور الدينية عن القضائية، أو يذكر في أول كل

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٩٨