تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

تحفظ لها بذرة في مكان للشريعة الإسلامية فيه سلطة، ينشرون هذه الآراء بالكتابة،

ويبثونها في النفوس بالتعليم والخطابة، وقد يضيفون إليها الطعن في قسم العقائد

حتى التوحيد والقدر كما فعل موسيو هانوتو وغيره، منهم من ينطقه الاعتقاد

ومنهم من تملي عليه السياسة، والسياسة تبيح المحرم، وتحل الكذب، وتقلب

الأوضاع، وتأتي المنكرات.

ويقول العارفون بحقيقة ما عليه الشعوب الأوربية من التربية العالية: إن

السواد الأعظم منهم لا يكابر الحق، ولا يرضى بالظلم والهضم، وإن رجال

السياسة في كل شعب منهم قد يحتالون في إقناعه بما تقضي به السياسة من مخالفة

الحق والعدل أحيانا؛ ليجيز عملهم. وإن من أمكنه أن يقنع هذه الشعوب بحق من

الحقوق العامة، فإنه يجد له منهم خير نصير، وأقوى ظهير.

على هذه الطريقة، جرى شيخنا الأستاذ الإمام (رحمه الله تعالى) في مناظراته

القولية والكتابية لعلماء الإفرنج وساستهم كرنان وهانوتو وغيرهما، فقد

حج وأقنع منهم جبلا كثيرا بأن الإسلام جاء بإصلاح يوافق مصلحة البشر في كل

زمان. وكذلك فعل في ردوده على الشاذين من أهل الشرق الذين يقولون في الإسلام

بغير علم. ويعلم قراء المنار أننا لا نألو جهدا في بيان التوفيق، بين عقائد الإسلام

وآدابه وأحكامه، وبين العقل والفطرة والمصلحة، وإننا نبني هذا التوفيق على

ما جاء في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم التي مضت بالدوران مع

المصلحة في كل حال، بحسبها لا على ما جاء في كتب الفقهاء من الآراء التي أداهم

إليها اجتهادهم، ومنهم المخطئ فيها والمصيب، ونحن عاجزون عن الانتصار لكل ما

في كتب الفقه؛ كما ننتصر لكل ما جاء في الكتاب، ومضت به السنة السنية. على

أن ما ينتقد على الآراء الاجتهادية في فقهنا، ينتقد مثله على القوانين الوضعية. ولكن

المنتقدين يقولون لنا إن ما يظهر خطأه في القوانين يسهل الرجوع عنه، وما يظهر

خطأه في الفقه يتعذر الرجوع عنه؛ لأنه في عرفكم من الدين، وهو قول لا يمكن

دفعه مع الجمود على التقليد، فهدم التقليد شرط يتوقف عليه كل إصلاح ويطلبه

عقلاء المسلمين مع المحافظة على الإسلام، ونشره في عالم المدنية العصرية،

والجمع بينه وبين العلوم والمعارف التي عليها مدار العمران والعزة. وإن طريقتنا

هذه يؤيدها خيار المسلمين من أهل الدين والدنيا؛ كالسلفيين، والقائلين بوجوب

الاجتهاد في الدين، وأكثر المتعلمين على الطريقة العصرية سواء منهم المتدين

حقيقة، والمتدين جنسية وقد صار الذين يصرحون بذلك كثيرين. وأذكر من

الشواهد عن العصريين، قول أحمد شوقي بك شاعر الأمير عباس حلمي باشا في

منظومته التي رفعها إليه؛ يهنئه فيها بميلاد ولي عهد الإمارة (الأمير محمد عبد

المنعم) .

ويا جيل الأمير إذا نشأنا ... وشاء الجد أن تعطي وشئنا

فخذ سبلا إلى العلياء شتى ... وخل دليلك الدين القويما

وضن به فإن الخير فيه ... وخذه من الكتاب وما يليه

ولا تأخذه من شفتي فقيه ... ولا تهجر مع الدين العلوما

فهذه وصية من شاعر الأمير إلى ولي عهده، يأمره فيها باتباع الكتاب والسنة

وعدم اتباع الفقهاء، وقد رضيها الأمير أعزه الله، ولم ينكرها.

ليست طريقتنا هذه بخفية على الإفرنج، فقد كتبت الجرائد الفرنسية عن رحلة

الأستاذ الإمام إلى تونس والجزائر، ما يدل على أنها عارفة بخطته راضية بها،

وذكرت أن آراءه في الإصلاح الديني تنشر في بعض المجلات المصرية؛ تعني بها

المنار، وقد كتب في الجرائد الفرنسية في تونس وأوربا وفي غيرها من الجرائد

الأوربية شيء عن مذهب المنار، ومنه ما كتب في المجلة الفرنسية في أوائل سنة

1905 وهذا نصه:

(المنار)

أسس في القاهرة سنة 1897، أسسه الشيخ محمد رشيد رضا أحد كتاب

المسلمين المشهورين؛ تلميذ الفيلسوف المصري الكبير الشيخ محمد عبده مفتي الديار

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٩٥