هذا كله إلى ما حدث من بدع أخرى من مذاهب شتى في العقائد، وطرق
متخالفة في السلوك، وآراء متناقضة في الشرائع، وتقليد أعمى في جميع ذلك،
فتفرقت المشارب، وتوزعت المنازع، وعظم سلطان الهوى على أرباب النزعات
المختلفة، كل يجذب إلى نفسه، لا ينظر إلى حق، ولا يفزع من باطل، وإنما همه
أن يظفر بخصمه، وذلك الخصم هو ما يدعوه أخا له في الإسلام في معرض التشدق
بالكلام.
وزد على ذلك؛ وهذا أكبر بدعة عرضت على نفوس المسلمين في اعتقادهم،
وهي بدعة اليأس من أنفسهم ودينهم، وظنهم أن فساد العامة لا دواء له، وأن ما
نزل بهم من الضر لا كاشف له، وأنه لا يمر عليهم يوم إلا والثاني شر منه.
مرض سرى في نفوسهم، وعلة تمكنت من قلوبهم؛ لتركهم المقطوع به من كتاب
ربهم وسنة نبيهم، وتعلقهم بما لم يصح من الأخبار، أو خطأهم في فهم ما صح منها،
وتلك علة من أشد العلل فتكا بالأرواح والعقول، وكفى في شناعتها قوله جل شأنه
﴿إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون﴾ (يوسف: 87) .
تبع هذه البدع جميعها وأخرى يطول ذكرها، هزال في الهمم، وضعضعة في
العزائم، وفساد في الأعمال، ويبتدئ من البيت، وينتهي إلى الأمة، يمر في كل
طبقة، ويجول في كل دائرة خصوصا من دوائر الحكومات، وما يرمى به
المسلمون من التعصب الديني الأعمى، فإنما عرض على أقوام في البلاد الإسلامية
تبعا لهذه البدعة الضالة، على أنني لا أسلم أنهم بلغوا فيه أدنى درجاته في الأمم
المسيحية شرقية كانت أو غربية، والتاريخ شاهد لا يكذب.
هذا ما أصاب المسلمين في عقولهم وعزائمهم وأعمالهم بسبب ابتداعهم في
دينهم، وخطأهم في فهم أصوله، وجهلهم بأدنى أبوابه وفصوله، لهذا سلط الله عليهم
من يسلبهم نعمة لم يقوموا بشكرها، وينزل بهم من عقوبة الكفران ما لا قبل لهم
بدفعه، إلا إذا تداركهم الله بلطفه، وقد ابتلاهم بمن يلصق بدينهم كل عيب ويقرنه
إذا ذكره بما يتبرأ منه، ويعده حجابا بين الأمم والمدنية، بل يعده منبع شقائهم
وسبب فنائهم.
تنبه لذلك أفراد من عقلاء المسلمين في أواسط القرن الماضي من سني
الهجرة، في أقطار مختلفة من بلاد فارس والهند وبلاد العرب ثم في مصر، وكل
منهم بحث في الداء، وقدر له الدواء بحسب فهمه على تقارب بينهم، ولعلهم يلتقون
يوما من الأيام عند الغاية إن شاء الله.
مقصد الجميع ينحصر في استعمال ثقة المسلم بدينه في تقويم شئونه، ويمكن
أن يقال: إن الغرض الذي يرمي إليه جميعهم إنما هو تصحيح الاعتقاد، وإزالة ما
طرأ عليه من الخطأ في فهم نصوص الدين، حتى إذا سلمت العقائد من البدع،
تبعها سلامة الأعمال من الخلل والاضطراب، واستقامت أحوال الأفراد،
واستضاءت بصائرهم بالعلوم الحقيقية دينية ودنيوية، وتهذبت أخلاقهم بالملكات
السليمة، وسرى الصلاح منهم إلى الأمة. فإذا سمعت داعيا يدعو إلى العلم بالدين
فهذا مقصده، أو مناديا يحث على التربية الدينية فهذا غرضه، أو صائحا ينكر ما
عليه المسلمون من المفاسد فتلك غايته، وهذه سبل لمريد الإصلاح في المسلمين لا
مندوحة عنها، فإن إتيانهم من طرق الأدب والحكمة العارية عن صبغة الدين،
يحوجه إلى إنشاء بناء جديد ليس عنده من مواده شيء، ولا يسهل عليه أن يجد من
عماله أحدا، وإذا كان الدين كافلا بتهذيب الأخلاق، وصلاح الأعمال، وحمل
النفوس على طلب السعادة من أبوابها، ولأهله من الثقة به ما بيناه، وهو حاضر
لديهم، والعناء في إرجاعهم إليه أخف من أحداث ما لا إلمام لهم به لا - فلم
العدول عنه إلى غيره؟
لم يخطر ببال أحد ممن يدعو إلى الرجعة إلى الدين؛ سواء في مصر أو
غيرها، أن يثير فتنة على الأوربيين أوغيرهم من الأمم المجاورة للمسلمين، غير
أن بعض المسيحيين إذا سمع قولا في الدين أعرض عن فهمه، وأنشأ لنفسه غولا
من خياله، يخاف منه ويخشى غائلته، يسميه باسم الدين. وبعضهم يظن أنه لو