لبصائرهم يسترشدون به في استغراق الأحوال، وتقويم الأفكار، وعاطفا يعطف
قلوبهم على الأمم بالعفو، والمرحمة، وحسن المعاملة، حتى رضيتهم الأرض
سادة لها، وقادة لسكانها، وكان من أمرهم وأمره ما هو معلوم.
أفبعد هذا يعجب عاقل إذا رأى المسلم يرضى ما رضيه هذا المرشد الحكيم،
ويمقت ما مقته؟ أيدهشه أن يرى المسلم يهزأ بكل ما لم يعتقده سائغا في دينه، وإن
كان ملك الأرض أو ملكوت السموات، بعد ما شهد المسلم من أثر نعمة الله عليه في
هذا الدين ما شهد؟ لا عجب في ذلك فإنه نتيجة ضرورية ينساق إليها الأمر بنفسه
بحكم سنة الله في خلقه.
واأسفا، لم يبق للمسلم من الدين إلا هذه الثقة فيه، أما الدين نفسه فقد انقلب
في عقل المسلم وضعه، وتغير في مداركه طبعه، وتبدلت في فهمه حقيقته،
وانطمست في نظره وحق فيه قول علي -كرم الله وجهه - (إن هؤلاء القوم قد
لبسوا الدين كما يلبس الفرو مقلوبا) .
لا أبحث اليوم في الأسباب التي وصلت بالدين في نفس المسلم إلى ما ذكرت.
ولكن أقول ولا أخشى منكرا لما أقول: قد دخل على المسلم في دينه ما ليس منه،
وتسرب في عقائده من حيث لا يشعر ما لا يتصل بأصلها، بل ما يهدم قواعدها
ويأتي على أساسها، عرضت البدع في العقائد والأعمال، وحلت محل الاعتقاد
الصحيح، وأخذت مكان الشرع القويم وظهرت آثارها في أعماله، وعم شؤمها
جميع أحوالها.
إن صح لفظ الحديث (طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة) أو لم يصح
فالقرآن يؤيد معناه، وعمل الأولين من المسلمين يحقق صحة ما حواه، فالرجل
والمرأة سواء في الخطاب التكليفي، وكانا سواء في علم ما يجب عليهما من فرائض
الإسلام، وخصال الإيمان، وفي طلب العلم بما يلزم لصلاح معادهما ومعاشهما
وبما تحسن به المعاملة مع من يتصل بهما قرب أو بعد على تفصيل معروف في
كتاب الله، وسنة رسوله، وعمل الصالحين من بعده، حتى لم يبق باب من أبواب
العلم إلا دخل منه بقدر الاستطاعة وما يسمح الزمان. ضل المسلم بعد ذلك في معنى
العلم، فظن الرجل أن غاية ما يفرضه الدين منه معرفة: فرائض الوضوء،
والصلاة، والصوم، في صورة أدائها، أما ما يتعلق بسر الإخلاص فيها، ووسيلة
قبولها عند الله، فذلك مما لا يخطر له ببال إلا القليل النادر.
أما آداب الدين، وتهذيب الروح، واستكمال الخصال الجليلة، مما جعله
الإسلام غاية العبادات، وثمرة الأعمال الصالحات، فهو مع أنه أهم علوم الدين مما لا
تتوجه إليه عزيمة، ولا تنصرف نحوه، اللهم إلا من أشخاص قلائل منثورين في
أطراف الأرض، لا ترقى بهم أمة، ولا تسمو بهم كلمة. أما من ينقطعون لطلب
العلوم؛ ليحصلوا جملة منها، فقد انقسموا إلى فريقين:
الأول - من يظن أنه وارث علوم الدين والقائم بحفظها، وقد قل أفراده في
معظم البلاد الإسلامية، ولم يبق منه إلا رسوم، لا يكاد يدركها نظر الناظر،
والمشتغلون منهم في بعض البلاد، كمصر والآستانة فإنما حظ الذكي منهم وقليل
ما هو، أن ينظر في كتب مخصوصة عينها له الزمان وضعف العرفان، ويفهمها
بمعنى أن يثق بأن هذا اللفظ دال على ذاك المعنى، ومتى تم له ذلك فقد استكمل
العلم، سواء سلم له عقله ودينه وأدبه بعد ذلك أم لم يسلم، فكان مثلهم مثل من ورث
سلاحا، فكان همه أن ينظر إليه، ويملأ عينه منه، ولا يمد يده إليه يستعمله أو
يزيل الصدأ عنه، فلا يلبث أن يأكله الصدأ ويفسده الخبث، ويزعمون أن الدين
يصد عما وراء ما عرفوا من العلوم النافعة، ومن رأي هؤلاء أن لا شأن لهم مع
العامة، ولا يجب عليهم أن يأمروا بمعروف ولا أن ينهوا عن منكر، وقد ارتكبوا
بذلك خطأ في فهم دينهم، لا يساويه في سوء عاقبته خطأ، وللكثير منهم بل الأغلب
من سوء الفهم في الدين ما لا حاجة إلى عده ولا يخفى أن ما يحصله هذا الفريق في
العلم، لا يظهر له أدنى أثر في صلاح الأمة كما هو مشهود.