وتيسر التعاون، فإذا ضممت إلى هذه المزايا فوز لغتها بالدنو من العربية الصحيحة
أكثر من سائر لغات الأقطار المستعربة تبين لك أن مصر جديرة أن تكون اليوم
عاصمة اللغة العربية، وأنها أجدر البلاد بأن تكون محط هذه الرحال، ومناط
هؤلاء الرجال، فأزهرها المعمور يعلم لنا الألوف من الشبان قواعد اللغة وحوافظها
من الضياع. ومطابعها الوافرة تهدي إلينا أنفس ذخائر الأولين وأعلام النقلة والحفظة
من الكرام الكاتبين. وعلماؤها الأفاضل لا يضنون بأوقاتهم الثمينة؛ بل يبذلونها في
العناية من كل وجه يقتضي العناية.
ولقد تعهد رجال من أفاضل دار العلوم أن يخصوا اللغة العربية بعناية زائدة،
وأهدونا باكورة مباحثهم وهو مبحث التعريب (جوازه اليوم أو عدمه) فألفينا
ثمرات شهية من نتاج هاتيك الأفكار الرائقة الراقية.
وعندي أن جواز التعريب اليوم وغدا كجوازه لسلفنا أمس بديهي، بيد أن الذين
لم يروه بديهيا إذ مالوا إلى عدم تجويزه هم فضلاء كملة كبار العقول غزيرو المادة،
فلذلك أوجبت على نفسي أن أبحث عن سر خوفهم على اللغة الذي دعاهم للحذر
والتحذير من التعريب، وبعد الإمعان الطويل وجدت سر ذلك: هو شدة الحب للغة.
قلت: شدة الحب ولم أقل: الحب؛ لأن الحب موجود عند جمهور أبناء اللغة
وأما شدة الحب فلا توجد إلا عند بعض الأفراد من أبنائها، وشدة الحب تورث سوء
الظن والقلق أحيانا مما لا يوجب مثله القلق، ومن أقرب الأمثلة التي شاهدتها في هذا
الباب أنني رأيت على شاطئ النيل رجلا وزوجته ومعهما أولاد، ورأيت الأب نزل
بأحد الأولاد على حافة الماء ليسقيه من غير أن تراه الأم، ولم يكن من خطر قط في
المحل الذي نزل منه، فلما صعد به حدثها بنزولهما فرأيتها قد اصفر وجهها كأنها
تتوقع نزول مكروه ثم لامته لوما شديدا. هذا وهي ترى أنهما قد خرجا سالمين،
وتعلم أن الأب ليس أقل منها حذرا من سوء يصيب الولد؛ ولكن شدة الحب قرين
معها سوء الظن بالعواقب وإن كانت سليمة.
على هذا المثل نفهم سر حذر أولئك الأفاضل من التعريب؛ أي إدخال كلمات
في اللغة ليست منها، فإنهم على معرفتهم بأن مثل ذلك وقع في هذه اللغة نفسها فلم
يضرها يحذرون أن يضرها إذا وقع بعد الآن.
إني لا أحب أن أفيض في هذا المبحث على طريقة الجدل والمناظرة؛ فإن
مجيز التعريب في غنى عنه، ومانعه قد ذكرنا عذره في خوفه منه، وسواء أرغبنا
عن التعريب أم رغبنا فيه ما عنه في الحقيقة من محيص. ولكنني قد بينت على
غير طريقة الجدل والمناظرة لمانع التعريب أنه لا خوف من دخول كلمات أجنبية
هي قليلة مهما كثرت على لغة حية يتكلم بها نحو خمسين مليونا متجاورين في
المساكن لا يفصل بينهم من الماء إلا ترعة السويس. ومنهم نحو ثمانية ملايين هم
أهلها العريقون القائمون في وطنهم الأصلي. وهي لغة علوم وتاريخ ودين، وقد كتب
فيها من الصحف الملايين.
لا خوف على لغة خضع أهلها لحكم الديلم والترك قرونا متطاولة من بعد ما
خضعوا لحكم أهلها مثل ذلك فلم يدخل فيها من لغاتهم إلا نزر لا يعد، قد ضاع وفني
وهضم في أحشائها.
إنما يخاف على اللغة إذا خلت من مزاياها المعنوية، إذا خوت من العلم، إذا
خلت من الأهل، إذا فقدت كل كتبها، إذا حرمت في المجتمعات كلها كل حظ من
حظوظ اللغات الأخرى.
لو خيف على لغة من دخول الغريب فيها لكانت تركية الدولة العثمانية أحق
اللغات أن يخاف عليها؛ لأن نصف كلمها دخيل من العربي، وربعها دخيل من
الفارسي، والربع الرابع تركي وأكثره أدوات ومشتقات؛ ولكن لا خوف على لغة
ما من مثل هذا إذا سلمت أساليب التركيب وضاع أصل الدخيل فيها عند الكاتبين
والمتكلمين حتى صار كأنه من أصل اللغة. وإذا لم يخش على لغة هذا مقدار
الدخيل فيها بالنسبة للأصيل؛ بل لا يكاد يوجد إلا إذا ترجمت إليها علوم أولئك
القوم أصحاب اللغات الأخرى. وأي ضير على من يريد تعلم علم إذا سمع فيه