تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على أني أستنتج منذ الآن نتيجة يؤمن الخطأ فيها، وهي أن المنافسات

والمناظرات التي بين الأمم الغربية المخالطة للأمم الشرقية قد زادت الصعوبة جدا

في حل المسائل الشرقية.

وهنا ذكر مسألة المغرب الأقصى ومكدونية ثم قال:

وتأملوا مصر أيضا فإني منذ نحو سنتين أرسلت رسالة إلى نظارة الخارجية

البريطانية شرحت فيها أخطار حركة الجامعة الإسلامية على مصر، فتوهم قوم أني

بالغت في أمر تلك الأخطار. ولتدارك تلك الحركة في الحال وتسكينها بوجه

السرعة ظنوا أن توهمهم لم يخل من الصحة. على أنني لم أبالغ في ما قلت، بل

إني أشبه ما يسمونه بحادثة سينا اليوم بصورة جلية واضحة ألقيت من فانوس

سحري على حجاب سياسي فجلت الحقيقة لبصائر المتأملين، وأبانت أن الضغائن

القومية يمكن أن تهيج وتتعاظم بسرعة عظيمة، وأظهرت الصعوبات الحقيقية

المستبطنة كل القضايا المتعلقة بالأحكام الشرقية. فالنتيجة التي أستنتجها هي وجوب

الترحيب بكل ما من شأنه تخفيف الخطر الذي ينجم عن تنافس الدول الأوربية

وتناظرها في المسائل الشرقية. ولذلك أرحب بهذا الاتفاق بين إنكلترا وروسيا لأنه

يؤدي إلى توطيد أركان السلام في البلدان التي له علاقة بها، ويسهل علينا حل

القضايا الأوربية الأخرى التي يكون لهذه البلدان شأن عظيم فيها (استحسان) اه

المراد من الخطبة.

وجوه العبرة في كلام اللورد:

العبرة في كلام اللورد من وجوه:

(أحدها) قوله: إن الغرب يسعى إلى إدخال آرائه وأفكاره على الشرق.

فيجب على المشتغلين بالمباحث الاجتماعية منا أن يفهقوا غرض الغرب من ذلك

ليعرفوا هل هو خير لهم أم شر أم هو بين ذلك.

(ثانيها) تمثيله لحالنا في ذلك الانتقال بإلقاء العناصر المتناقضة كلها في

بوتقة سياسية اجتماعية إدارية لتذوب وتصهر فيها. فيجب علينا أن نفقه معنى هذا

التمثيل. ما هي هذه العناصر؟ من هم الملقون لها في هذه البوتقة لتذوب فيها؟ ما

هو غرضهم من إذابة عناصرنا وما هو حظنا منه؟ هل نحن على بينة من هذا

العمل، وهل لنا اختيار فيه من حيث هو عمل اجتماعي كبير تنتقل به الأمة من

طور تعرفه إلى طور تتخيله فتحسب أنها تعرفه وهي لا تعرفه؟

(ثالثها) تبرؤه من العلم بنتيجة ذلك العمل الذي أبرزه في قالب التمثيل

وتفويضه إلى الله وحده. فإذا كان مثله في علمه وعمله، وحنكته واختباره، وكونه

من أشهر صاغة البوتقة التي هي آلة صوغ الأمم والشعوب لا يدري نتيجة عمله

وعمل أمثاله، فهل يسهل على العناصر التي في البوتقة أن تكون أعلم بهذه النتيجة؟

يجب التأمل الطويل وعدم الاغترار بالأحداث المعجبين بما أخذوا عن الإفرنج من

الأفكار والعادات التي هي علل الانقلاب.

(رابعها) قوله: إن العواطف الدينية الراسخة في نفوس أهل الشرق أمست

تصارع الإلحاد والتعطيل، وجزمه بأن اتصال الغرب بالشرق يأول إلى زعزعة

الأركان الأدبية التي يقوم عليها بناء الهيئة الاجتماعية الشرقية كلها. ويمكن جعل

هذين القولين مقدمتين لقياس منطقي ينتج نتيجة مزعجة جدا. فإذا كان الأحداث

الذين يتبعون كل ناعق بالوطنية والجنسية يحسبون أن هدم أركاننا القديمة أمر نافع

لسهولة إحداث بناء آخر من الجنسية الوطنية، فإن أصحاب العقل والروية يرون

أن البناء أعسر من الهدم، وأننا نستقبل أخطارا كبيرة في التحول والانقلاب أراها

أشد هولا مما تشير إليه هاتان المقدمتان من كلام اللورد اللتان أشار إلى نتيجتهما

بعد بقوله: (إن مبدأ الجنسية يتأصل في الشرق ويحل محل الروابط الأخرى) .

(خامسها) قوله في خواص المتهذبين والعارفين من أن معرفتهم غير

مختمرة بخميرة الاختبار.

(سادسها) بيان التفاوت بين عامة الشعب وخاصته. وهذا التفاوت يكون

دائما مثار التخالف، والأمة لا تقوى وتعتز إلا إذا تكونت من أفراد متقاربين في

الأفكار والأخلاق والعادات. إلا أن هذا التفاوت بين أفرادنا وبيوتنا لمثار خطر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٤٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٤٠١