واستواء. وهي تؤثر قبل بلوغها سن الكمال الاجتماعي اللذة على الفائدة، وتستحب
العمى على الهدى؛ للجهل بوجوه المصالح العامة، وما يرفع الأقوام وما يضعها،
وحينئذ تكون أحوج إلى المربي الحكيم من الطفل اليتيم.
ما ارتقاء الأمة إلا كثرة الحكماء والفضلاء فيها، ومهما كثر هؤلاء، فلا
يكونون في سواد الأمة إلا عددا قليلا، فأكثر أفراد الأمم الراقية الآن يؤثرون اللذة،
ويسعون لها سعيها في عامة أحوالهم. ألم يأتك نبأ خسارة من طبع كتب الفيلسوف
(هربرت سبنسر) في علم الاجتماع، وفلسفة التربية والتعليم، وهي أنفع ما كتب
حكماء الغرب في أرقى أممه؟ ! قارن بين هذا وبين الربح العظيم الذي يناله من
يطبعون القصص الغرامية وغير الغرامية. نعلم أن الدهماء من كل أمة يتبعون
مواقع اللذة، وينفرون من النافع إذا لم يكن مستلذا، ولكن الأمة المرتقية لا يروج
عندها الضار بها، وإن كان لذيذا.
تربية الأمم وإرشادها أشرف الأعمال وأفضلها وأشقها وأعسرها، ويعوزه من
العلم والحكمة والإخلاص والنزاهة، ما لا يعوز غيره. فإن فتنة الهوى فيه لا يقاس
بها فتنة، حتى إن الملك العاطل من حلية هذه الصفات يتبع هواه في سياسة رعيته،
حتى يودي بشعبه ورعيته، ولو كان خساره في ذلك موازيا لخسار الأمة في
مجموعها. آية من يتبع الهدى في إرشاد الأمة أن لا يتبع فيه هواها، ولا يتحرى ما
يرضيها وإن كان يرديها، وأن يكون كالطبيب يجرعها المر؛ ليقيها الضر، إذا
تعذر أن تجذب باللذات إلى المنافع، كما يجذب الدارج واليافع.
لا يؤمن الفرد من اتباع الهوى في سياسة الأمة، وإرشادها عن علم أو جهل
لذلك جاء الوحي بوجوب جعل أمر المسلمين شورى بينهم، وبذلك ارتقت الأمم
العزيزة وينبغي لمرشديها أن يسلكوا سبيل الشورى كحاكميها، فلا يستبد أحد الأفراد
برأيه في الإرشاد، لهذا نرجو من هذه (الجريدة) من تحرير الفوائد، فوق ما
نرجو من غيرها من الجرائد، والسلام على من اتبع الهدى، ورجح العقل على
الهوى.
-----------------
<span class="footnote">
(*) كتبنا هذه المقالة وما بعدها (للجريدة) ونشرت فيها.</span></span>
الكاتب: محمد رشيد رضا
-----------------
<span class="footnote">