تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عمر كان يريد النهي عن الإكثار لا عن أصل التحديث، وهو كما ترى، وإن الأخذ

بالمرفوع مقدم. أقول: وههنا شيء آخر وهو إقرار الصحابة لعمر على نهيه، وقد

يعارضه أنهم حدثوا فلم ينتهوا، وقد مر بك أن أبا هريرة كان يحدث بعده، فكأن

اجتهادهم اختلف في المسألة.

ومما ذكره ابن عبد البر عن عمر في معارضة حديث النهي قوله: (تعلموا

الفرائض والسنة كما تتعلمون القرآن) فسوى بينهما، وعن مورق العجلي أنه قال:

كتب عمر: تعلموا السنة والفرائض واللحن كما تتعلمون القرآن، والجواب عن هذا

يعلم مما قبله؛ وهو أن تعلم السنة غير التحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم،

فإن السنة سيرته صلى الله عليه وسلم، وتعرف من الصحابة بالعمل وبالأخبار

كنحو (من السنة كذا) كما كانوا يقولون، والتحديث عنه نقل كلامه كما هو

المتبادر، وإن اصطلح المحدثون بعد ذلك على تسمية كل كلام فيه ذكر النبي صلى

الله عليه وسلم حديثا وسنة. ومنه تسمية ابن عبد البر نفسه لرواية قرظة التي هي

موضوع بحثنا حديثا، وفسر اللحن في أثر عمر عن مورق فقال: قالوا: اللحن

معرفة وجوه الكلام وتصرفه والحجة به.

ثم قال: وعمر أيضا هو القائل: (خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم)

وهو القائل: (سيأتي قوم يجادلونكم بشبه القرآن فخذوهم بالسنن فإن أصحاب

السنن أعلم بكتاب الله عز وجل) وأقول: إن هديه صلى الله عليه وسلم ليس

موضع اشتباه، وأما سنته فلو أريد بها هنا أقواله لكان فيها من الشبهات ما في

القرآن أو أكثر؛ لأن القرآن أعلى بيانا وقد نقل بالحرف، والحديث كثيرا ما نقل

بالمعنى. فالسنة لا يراد بها إلا السيرة والطريقة المتبعة عنه صلى الله عليه وسلم

بالعمل، والعمل لا تعترض فيه الشبهات. فلذلك أمر بالاحتجاج عليهم بالسنن. ومثل

هذا أمر علي لابن عباس لما بعثه للاحتجاج على الخوارج، قال: (لا تخاصمهم

بالقرآن فإن القرآن حمال ذو وجوه تقول ويقولون، ولكن حاجهم بالسنة فإنهم لن

يجدوا عنها محيصا) . اه من نهج البلاغة.

ومن العجائب أن يغبى بعض المحدثين أحيانا عن الفرق بين السنة والحديث

في عرف الصحابة الموافق لأصل اللغة، فيحملوا السنة على اصطلاحهم الذي

أحدثوه بعد ذلك، وليس لنا أن نلوم بعد هذا ذلك العالم الفرنسي المستشرق الذي قال

لي مرة: إن الصحابة كانوا يقدمون الأحاديث على القرآن وذكر لي قول علي لابن

عباس، فقلت له: إنه لا يعني بالسنة الأحاديث فإنها ذات وجوه تحتمل تأويل

المجادلين كالقرآن، وإنما هي الطريقة المتبعة بالعمل. مثال ذلك احتجاج علي على

معاوية وأصحابه بحديث عمار (تقتله الفئة الباغية) فقد أوله عمرو بن العاص

فقال: إنما قتله من أخرجه. يعني عليا؛ ولكن لا سبيل إلى تأويل كيفية الصلاة

وعددها وكيفية الحج لأنها ثابتة بالسنة. ولا يخفى أن السنة بهذا المعنى تشمل ما

هو مفروض وما هو مندوب وما هو مستحب كما مر جوابه.

هذا، وإن المبحث كبير ولا سبيل إلى تحريره واستيفاء فروعه في هذا الجزء،

فنكتفي بما تقدم في الوفاء بما وعدنا به في الجزء الماضي.

وليعلم القارئ أن هذا البحث الأصولي بمعزل عن مسألة اهتداء المسلم بما

يصح عنده من أقوال الرسول صلى الله عليه وسلم، فتلك الأقوال هي ينابيع الحكم

ومصابيح الظلم، وجوامع الكلم، ومفخر للأمة على جميع الأمم، بل إن في

الأحاديث التي لم تصح أسانيدها من البدائع، والحكم الروائع، والكلم الجوامع، ما

تتقاصر عن مثله أعناق العلماء، وتكبو في غاياته فرسان الحكماء، ولا تبلغ بعض

مداه قرائح البلغاء، ولا غرو فإن من الأحاديث ما صحت متونه ولم تصح أسانيده

كما إن منها ما أشكلت متونه وإن سلم من الطعن رواته، وأنى لغيرنا ببعض ما

عندنا من الأسانيد لأقوال حكمائهم، أو لكتب أنبيائهم، فنحن يسهل علينا من

التمحيص والتحقيق ما لا يسهل على غيرنا، فليتدبر المتدبرون، وليعمل العاملون.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٦٧