تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

البهيمية ما مصه من دماء الفقراء والمساكين عصرا، ونزح من دموع الأرامل

والأيتام قهرا (يا للإسلام) .

فإذا اشتد جنونه بجميع فنونه. فاستوزر وغدا خسيسا ليس له دين يردعه ولا

عقل يزجره ولا شرف نفس يمنعه. وهذا المارق ما قعد على دسته إلا وقام بإبادة

الدين ومعاداة المسلمين، وساقته دناءة الأرومة ونذالة الجرثومة إلى بيع البلاد

الإسلامية بقيم زهيدة.

فحسبت الإفرنج أن الوقت قد حان لاستملاك الأقطار الإيرانية بلا كفاح ولا

قتال، وزعمت أن العلماء الذين كانوا يذبون عن حوزة الإسلام قد زالت شوكتهم ونفد

نفوذهم، فهرع كل فاغرا فاه يبغي أن يسرط قطعة من تلك المملكة. فغار الحق

وغضب على الباطل فدمغه فخاب مسعاه وذل كل جبار عنيد.

أقول الحق إنكم يا أيها القادة قد عظمتم الإسلام بعزيمتكم وأعليتم كلمته وملأتم

القلوب من الرهبة والهيبة. وعلمت الأجانب طرا أن لكم سلطانا لا يقاوم وقوة لا

تدفع وكلمة لا ترد وأنكم سياج البلاد وبيدكم أزمة العباد ولكن قد عظم الخطب الآن

وجلت الرزية لأن الشياطين قد تألبت جبرا للكسر وحرصا على الوصول إلى الغاية

وأزمعت على إغراء ذاك المارق الأثيم على طرد العلماء كافة من البلاد. وأبانت له

أن إنفاذ الأوامر إنما هو بانقياد قوات الجيوش وأن القواد لا يعصون للعلماء أمرا

ولا يرضون بهم شرا. فيجب لاستتباب الحكومة استبدالهم بقواد الإفرنج. وأرت

لذاك البليد الخائن رئاسة الشرطة وقيادة فوج [5] القزاق نموذجا (كنت وأضرابه) .

وأن ذاك الزنديق وزملاءه في الإلحاد يجدون الآن في جلب قواد من الأجانب.

والشاه بجنونه المطبق قد استحسن هذا واهتز به طربا.

لعمرالله لقد تحالف الجنون والزندقة وتعاهد العته والشره على محق الدين

واضمحلال الشريعة وتسليم دار الإسلام إلى الأجانب بلا مقارعة ولا مناقرة.

يا هداة الأمة إنكم لو أهملتم هذا الفرعون الذليل ونفسه وأمهلتموه على سرير

جنونه وما أسرعتم بخلعه عن كرسي غيه لقضي الأمر، فعسر العلاج وتعذر التدارك.

أنتم نصراء الله في الأرض، ولقد تمحصت بالشريعة الإلهية نفوسكم عن

أهواء دنية تبعث على الشقاق وتدعو إلى النفاق ويئس الشيطان بقذفات الحق عن

تفريق كلمتكم. فأنتم جميعا يد واحدة يذود بها الله عن صياصي دينه الحصينة ويذب

بقوتها القاهرة جنود الشرك وأعوان الزندقة. وإن الناس كافة (إلا من قضى الله

عليه بالخيبة والخسران) طوع أمركم. فلو أعلنتم خلع هذا (الحارية) لأطاعكم

الأمير والحقير وأذعن لحكمكم الغني والفقير (ولقد شاهدتم في هذه الأزمان عيانا

فلا أقيم برهانا) خصوصا وإن الصدور قد حرجت وإن القلوب قد تفطرت من هذه

السلطنة القاسية الحمقى التي ما سدت ثغورا ولا جندت جنودا ولا عمرت بلادا ولا

نشرت علوما ولا أعزت كلمة الإسلام ولا أراحت يوما ما قلوب الأنام، بل دمرت

وأقوت وأفقرت وأذلت ثم بعد ضلت وارتدت، وأنها سحقت عظام المسلمين وعجنتها

بدمائهم فعملت منها لبنات [6] بنت بها قصورا لشهواتها الدنية. هذه آثارها في هذه

المدة المديدة والسنين العديدة، تعسا لها وتبت يداها.

وإذا وقع الخلع (وتكفيه كلمة واحدة ينبص بها لسان الحق غيرة على دينه)

فلا ريب أن الذي يخلف هذا (الطاغية) لا يمكنه الحيدان عن أوامركم الإلهية ولا

يسعه إلا الخضوع بعتبتكم عتبة الشريعة المحمدية. كيف لا وهو يرى عيانا ما لكم

من القوة الربانية التي تقلبون بها الطغاة عن كرسي غيها. وإن العامة متى سعدت

بالعدل تحت سلطان الشرع ازدادت بكم ولعا وحامت حولكم هياما وصارت جميعا

جندا لله وحزبا لأوليائه العلماء.

ولقد وهم من ظن أن خلع هذا (الحارية) لا يمكن إلا بهجمات العساكر

وطلقات المدافع والقنابل. ليس الأمر كذلك لأن عقيدة إيمانية قد رسخت في العقول

وتمكنت من النفوس، وهي إن الراد على العلماء راد على الله (هذا هو الحق

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٥٤