تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الذي علمته أنا يومئذ مخالف لما في المؤيد - وذكرته له - فأينا الغالط؟ فقال: إن

الغلط هو ما جاء في المؤيد وما تذكره أنت هو الذي وقع.

وعجبت مما قال المؤيد أن حسن باشا كتب إلى المرحوم الشيخ (لا تضع

رجلك في المحلة) إلخ وحسن باشا أعلى أدبا من أن يكتب ذلك لمن دون الشيخ في

مكانته الذاتية وفي صداقته له، فلا أدري من أين جاء المؤيد هذا.

وجملة القول: إن حسن باشا رحمه الله تعالى كان شديدا في المحافظة على

النظام والقوانين كما كتبنا من قبل، ولكن لم يكن مستبدا في الجمعية الخيرية ولا في

غيرها وكيف يكون متبع النظام مستبدا؟ وإن أعضاء مجلس إدارة الجمعية كلهم من

أهل الاستقلال فما كانوا يتبعون له رأيا، وإنما يقول كل واحد ما يظهر له أنه

الصواب وكان كل شئ يختلفون فيه يقرر بأكثر الآراء إن لم يتفقوا، كما هو نص

القانون.

أقول: سمعت حسن باشا رحمه الله تعالى يقول بعد ما بلغه أمر الأمير بعزله:

الحمد لله أنني الآن صرت قادرا على أن أعطي الجمعية الخيرية حقها من الخدمة

فإن السراي كانت آخذة معظم وقتي.

وقد عين بعد ذلك وكيلا لدائرة القصر العالي وكانت مختلة معتلة مسلوبة منهوبة

فأدارها بدقة ونظام يعجز عنهما سواه ممن قضوا أعمارهم في إدارة الأعمال

الزراعية والإدارية والمالية. وعين مع ذلك مأمورا لتركة الأمير محمد إبراهيم وهي

تضاهي دائرة القصر العالي ثروة وأعمالا ومشاكل فضبطها أحسن ضبط. ولما

تأسست الشركة الإنكليزية المصرية للاتجار بالأراضي الزراعية كان - وهو من

مؤسسيها - وكيل أعمالها وأدهش الإفرنج بأعماله فيها على كثرة أعماله في القصر

العالي وفي تركة لأمير محمد إبراهيم وفي الجمعية الخيرية ومدارسها. ثم عين مع

ذلك عضوا في اللجنة الإدارية لمدرسة القضاء الشرعي، فكان لها من خدمته العظيمة

الحظ العظيم. وقد أشرنا في الكلام عن إخلائه إلي بعض عمله في جمعية إحياء

العلوم العربية التي كان وكيل رئيسها، بل لم يكن لها بعد الأستاذ الإمام رئيس سواه.

كان يعمل هذه الأعمال كلها مع منتهى الدقة والإتقان، فيالله ولهمم الرجال.

وههنا أقول أني كنت أنتقد عليه كثرة العمل وأخاف أن ينهكه فيقتله، وأنى

لجسمه النحيف أن يحتمله، وقد كان ما خفت أن يكون، فإنا لله وإنا أليه راجعون،

أصابه منذ أشهر ضعف في المعدة ترك لأجله أكل اللحوم كلها حاشا السمك وقد كان

صام رمضان الماضي كله على الوجبة إذ لم يكن يتسحر، فكلمته في ذلك غير مرة

فقال لي: إنني جربت مرة فأكلت في السحور شيئا من الكنافة والفاكهة فثقل علي

وأصابني منه غثيان في النهار. وكنت أراه أحيانا بعد العصر من رمضان وقد

ضعفت قوته وخفت صوته، حتى لو استفتاني في الفطر لأ فتيته، ولكن الله تعالى

أحب أن يكون ذلك خاتمة عمله. فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وأحسن عزاءنا

عنه، ونفعنا بسيرته الحميدة بمنه وكرمه.

-----------------

<span class="footnote">

</span></span>

الكاتب: محمد رشيد رضا

-----------------

<span class="footnote">

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٣٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٣٤٤