تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

نسخ حكمها) راجع ما قلناه في المقالة السابقة. على أن رأي أي واحد منهم لا يجوز

الأخذ به بدون دليل.

والذي نراه نحن: أن العقل لا يستقبح وقوع النسخ في القرآن الشريف، إذا

كان القرآن يبين لنا نصا جميع ما نسخ، وجميع ما لم ينسخ. أو أن رسول الله

صلى الله عليه وسلم يبين ذلك بيانا ينقل متواترا، ويتفق عليه عملا بين المسلمين.

وإذ لم يكن هذا ولا ذاك، فالقائل بالنسخ يعرض الدين لطعن الطاعنين واستهزاء

الهازئين وعبث اللاعبين الذين جعلوا القرآن عضين، فيعملون ببعضه ويتركون

بعضه الآخر؛ اتباعا لأوهامهم وأهوائهم، فما جزاء من يفعل ذلك منهم إلا خزى في

الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافل عما يعملون.

ومن العجيب دعواهم النسخ في الآيات مع عجزهم عن بيان الحكمة في نسخها،

وليس عندهم من دليل عليه عقلي أو نقلي. والله تعالى يقول في شأن القرآن

﴿لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا﴾ (الكهف: 27) فلا يجوز أن يبدله

الله بعد وعده بعدم تبديله؛ إذ النكرة (أي لفظ مبدل) في سياق النفي تعم.

يقول المحققون منهم: (إن النسخ خلاف الأصل، ومتى أمكن التفسير بدونه

وجب المصير إلى ذلك التفسير) وأي آية في القرآن لا يمكن تفسيرها بدون هذه

الدعوى الباطلة؟ فهذا إقرار عظيم بأن القرآن لا نسخ فيه، حيث إنه يمكن تفسير

جميعه بلا حاجة إلى ما يزعمون. وكيف ينسخ وهو لا يجوز التبديل فيه؟

وإذا كان القرآن (1) لم ينص على الآيات المنسوخة. (2) ولم يرد عن

رسول الله نص قاطع بذلك. (3) وما روي عن أصحابه مختلف وغير يقيني.

(4) ولم يتفق المسلمون على الآيات المنسوخة، بل ولا على القول بالنسخ.

(5) وإذا كان لا حاجة إليه في التفسير. (6) ولا حكمة تظهر فيه.

إذا كان كل ذلك، فبأي شيء يتمسكون؟

أما قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾ (البقرة: 106) ، وقوله:

﴿وإذا بدلنا آية مكان آية﴾ (النحل: 101) فقد فسرناهما في المقالة السابقة بما

يشفي العلة، ويروي الغلة. ونزيد الآن على التفسير أن الآية الثانية هي من سورة

النحل. وقد نزلت هذه السورة قبل إيجاب القتال على المؤمنين؛ أي في مكة أو في

أوائل مدة المدينة [1] كما تدل على ذلك الروايات الكثيرة، وكذلك قوله تعالى فيها:

{والذين هاجروا في الله من بعد ما ظلموا لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة

أكبر لو كانوا يعلمون * الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} (النحل:41-

42) ، وقوله في آخرها: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم

لهو خير للصابرين * واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في

ضيق مما يمكرون} (النحل: 126-127) ، وإذا كان نزولها في مكة فالمراد

بالهجرة في الآية السابقة هجرة الحبشة. وعلى كل حال إذا كان نزولها في مكة أو

في أول مدة المدينة؛ فأي حكم من أحكام الشريعة الإسلامية كان نزل في تلك المدة

ثم نسخ، حتى يرد فيها قوله تعالى: {وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل

قالوا إنما أنت مفتر} (النحل: 101) الظاهر أن القول بأنه مفتر إنما صدر من أهل

الكتاب الموجودين بالمدينة، أو القليل منهم الموجود بمكة حينما سمعوا أن

محمدا صلى الله عليه وسلم، يحل ما حرمته الشريعة الموسوية من المطعومات.

كما في سورة الأنعام المكية، التي ورد فيها قوله تعالى {قل لا أجد في ما أوحي

إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} (الأنعام: 145) إلى قوله:

{وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا

ما حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون

* فإن كذبوك فقل ربكم ذو رحمة واسعة ولا يرد بأسه عن القوم المجرمين} (الأنعام: 146-147) . وقد أشار تعالى في سورة النحل إلى هذه الآيات بقوله:

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٨٨