تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ووالله - إن شاء الله - ليقيمن الله سبحانه لنصر هذا الكلام ونشره وتدوينه وتفهمه

واستخراج مقاصده، واستحسان عجائبه وغرائبه رجالا هم إلى الآن في أصلاب

آبائهم. وهذه هي سنة الله الجارية في عباده وبلاده، والذي وقع من هذه الأمور في

الكون لا يحصي عدده غير الله تعالى، ومن المعلوم أن البخاري مع جلالة قدره

أخرج طريدا ثم مات بعد ذلك غريبا، وعوضه الله سبحانه عن ذلك بما لا خطر في

باله، ولا مر في خياله من عكوف الهمم على كتابه، وشدة احتفالها به، وترجيحها

له على جميع كتب السنن؛ وذلك لكمال صحته وعظمة قدره، وحسن ترتيبه

وجمعه، وجميل نية مؤلفه، وغير ذلك من الأسباب. ونحن نرجو أن يكون

لمؤلفات شيخنا أبي العباس من هذه الوراثة الصالحة نصيب كثير- إن شاء الله

تعالى - لأنه كان بنى جملة أمور على الكتاب والسنة ونصوص أئمة سلف الأمة،

وكان يقصد تحرير الصحة بكل جهده، ويدفع الباطل بكل ما يقدر عليه، لا يهاب

مخافة أحد من الناس في نصر هذه الطريقة، وتبيين هذه الحقيقة، وقد علم أن

لكتبه من الخصوصية والنفع والصحة والبسط والتحقيق والإتقان والكمال وتسهيل

العبارات وجمع أشتات المتفرقات والنطق في مضايق الأبواب بحقائق فصل الخطاب

ما ليس لأكثر المصنفين في أبواب مسائل أصول الدين وغيرها من مسائل المحققين؛

لأنه كان يجعل النقل الصحيح أصله وعمدته في جميع ما يبني عليه، ثم يعتضد

بالعقليات الصريحة التي توافق ذلك وبغيرها، ويجتهد إلى دفع كل ما يعارض ذلك من

شبه المعقولات، ويلتزم حل كل شبهة كلامية وفلسفية كما تقدمت الإشارة إلى ذلك،

ويلتزم أيضا الجمع بين صحيح المنقول وصريح المعقول، ويجزم بأن فرض دليلين

قطعيين متعارضين من المحال، إن كانا عقليين أو عقليا ونقليا، قال: لأن الدليل

هو الذي يجب ثبوت مدلوله. فإما أن لا يكونا قطعيين. وإما أن لا يكون مدلولاهما

متناقضين، وعلى هذا المقصد الجليل بنى كلامه المتين، وتقاسيمه العجيبة في أول

قاعدته الكبيرة الباهرة التي ألفها فى دفع تعارض العقل والنقل، فكانت مقاصده

وتحقيقاته في هذا الباب العظيم عجبا من عجائب الوجود، وكان يقول: لا يتصور

أن يتعارض حديثان صحيحان قط؛ إلا أن يكون الثاني ناسخا للأول. قال: والإمام

أحمد بن حنبل كان في زمنه يصرح به ويلتزم تحقيقه، وأنا في زمني ألتزم حكم هذه

القاعدة أيضا، والنهوض بالجواب عن كل ما يعارضها، وكان رحمه الله ورضي

عنه يذب عن الشريعة، ويحمي حوزة الدين بكل ما يقدر عليه، وكان كما علم من

حاله لا يخاف في هذا الباب لومة لائم، ولا ينثني عما يتحقق عنده، ولم يزل على

ذلك إلى أن قضى نحبه ولقي ربه فقدس الله روحه، ونور ضريحه، ونصر مقاصده،

وأيد قواعده. والله سبحانه يعلم حسن قصده وصحة علومه ورجحان دليله، وهو

ناصر الحق وأهله ولو بعد حين.

وجميع ما وقع من هذه الأمور فيه من الدلالة - إن شاء الله -على شمول أمره

وظهور كلمة هذه العلوم الباهرة أكثر مما فيه من الدلالة على خلاف ذلك (ولا

قوة إلا بالله) غير أن الأشياء المقدورة تفتقر إلى أسبابها المعلومة، ولهذا كان

الرسول صلى الله عليه وسلم وهو في العريش يوم بدر، يجتهد على الاستغاثة بالله

التي كانت أكبر أسباب النصرة في ذلك اليوم، بعد أن عرفه الله تعالى قبل ذلك

جلية مصارع القوم، ولما التزمه أبو بكر من ورائه قائلا له: يا رسول الله، أهكذا

مناشدتك ربك؟ فإنه واف لك بما وعدك. لم يترك استغاثته بربه لعلمه أن الأمور

المقدورة لا بد أن تقع بأسبابها اللازمة لها المعروفة بها، ومصداق ذلك ما أنزله

سبحانه في تقرير هذا الأمر وتحقيق هذه القاعدة، وهو قوله تعالى: {إذ

تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين * وما جعله الله

إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} (الأنفال: 9 -10) لأنه سبحانه بين حكم الأسباب المتقدمة والمتأخرة، ورد الأمر

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٥٩