من أهم الأمور وأجمعها لمصالح الدنيا والآخرة، وما يعقلها إلا العالمون، وسيندم
المفرطون في استدراك بقايا هذه الأمور الكاملة والمقصرون، كما ندم المتخيلون
بطول حياة الشيخ والمفترون، وهذه الأمور التي قد أشرت إليها في هذه الأوراق
الخفيفة هي أعلى أبواب النصيحة وأتمها فيما أعلم؛ لأن الذاهب مضى والوقت سيف
منتضى، وكل من ذهب بعده من أكابر الإخوان ما عنه عوض. والدهر في إدبار،
والشرور في زيادة، وإذا جمعت هذه المؤلفات العزيزة الكثيرة، ونقل من المسودات
ما لم ينقل، وقبل رأي أبي عبد الله في ذلك كله؛ لأنه على بصيرة من أمره، وهو
أخبر الجماعة بمظان المصالح المفردة التي قد انقطعت مادتها، وقوبل كل ما يكتب مع
أصلح الجماعة أوعلى نسخة الأصل، وروجع شيخنا الحافظ جمال الدين الذي هو بقية
الخير؛ لثقته وخبرته وشفقته وتحرقه على ظهور هذه المواد الصالحة في الوجود؛
ولسعة علمه وإحاطته بكثير من مقاصد شيخنا المؤلف، وروجع الشيخان العالمان
الفاضلان المحققان (القاضي شرف الدين وشمس الدين بن أبي بكر) فإنهما أحذق
الجماعة على الإطلاق في المناهج العقلية وغيرها، وأذكرهم للمباحث الأصولية
فيما يشتبه من المقاصد؛ خوفا من التصحيف وتغيير بعض المعاني، وروجع
غيرهم من أكابر الجماعة أيضا - كان في ذلك خير كثير، واستدراك كبير إن شاء الله
تعالى.
(والشيخ أبو عبد الله) سلمه الله، هو بلا تردد واسطة نظام هذا الأمر
العظيم، فساعدوه وأزيلوا ضرورته، واجمعوا همته، واغتنموا بقية حياته،
واقبلوا نصيحتي فيما أتحققه من هذا كله كما كنت أتحقق. إن اغتنام أوقات الشيخ
وجمعها على التآليف والإتقان والمقابلة خير من صرفها في مجرد المفاكهة
اللذيذة والمنادمة، والنفوس فرطت كثيرا في ذلك الحال، والله المسؤول بأن يكفيها
مضرة كمال الفوت الذي لا عوض عنه بحال، إنه رؤوف رحيم جواد كريم، فإن
يسر الله تعالى وأعان على هذه الأمور العظيمة، صارت إن شاء الله تعالى مؤلفات
شيخنا ذخيرة صالحة للإسلام وأهله، وخزانة عظيمة لمن يؤلف منها وينقل
وينصر الطريقة السلفية على قواعدها، ويستخرج ويختصر إلى آخر الدهر إن شاء
الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: (لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسا،
يستعملهم فيه بطاعة الله) ، وقال: (لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا
يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة) والله سبحانه وتعالى يقول في
كتابه: ﴿ويخلق ما لا تعلمون﴾ (النحل: 8) ، وكما انتفع الشيخ بكلام الأئمة قبله،
فكذلك ينتفع بكلامه من بعده إن شاء الله تعالى، فاتبعوا أمر الله، واقصدوا رضا الله
بجمع كل ما تقدرون عليه من أنواع المؤلفات الكبار، وأشتات المسائل الصغار،
ومعها نسخ الفتاوى المتفرقة، وسائر كلامه الذي قد ملئ - ولله الحمد - من الفوائد
والفرائد والشوارد، فأيقظوا الهمم، وابذلوا الأموال الكثيرة في تحصيل هذا المطلب
العظيم الذي لا نصير له، فهذا هو الذي يلزمنا من حيث الأسباب. والتمام على رب
الأرباب ومسبب الأسباب وفاتح الأبواب الذي يقيم دينه وينصر كتابه وسنة نبيه على
الدوام، ويثبت من يؤهله لذلك من أنواع الخاص والعام، وكل مجزي في القيامة
بعمله ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾ (فصلت: 46) .
وقد علم أن الإمام أحمد بن حنبل كان ينهي في حال حياته عن كتابة كلامه؛
ليجمع القلوب على المادة الأصلية العظمى، ولما توفي استدرك أصحابه ذلك الأمر
الكبير فنقلوا علمه، وبينوا مقاصده، وشهروا فوائده، فانتصرت طريقته، واقتفيت
آثاره لأجل ذلك، والوجود هو على هذه الصفة قديما وحديثا، فلا تيأسوا من قبول
القلوب القريبة والبعيدة لكلام شيخنا، فإنه - ولله الحمد - مقبول طوعا أو كرها،
وأين غايات قبول القلوب السليمة لكلماته، وتتبع الهمم النافذة لمباحثه وترجيحاته؟