الكفار. وندب القوي إلى النظر في الاختلافات، يضاهي حث القوي على مخالطة
الكفار. ولهذا يمنع الجبان عن التهجم على صف الكفار، ويندب الشجاع له. ومن
الغفلة عن هذه الدقيقة ظن بعض الضعفاء أن الاقتداء بالأقوياء فيما ينقل عنهم من
المساهلات جائزة، ولم يدر أن وظائف الأقوياء تخالف وظائف الضعفاء) ... إلخ.
أقول: وقد جرى هو على ذلك، فإنه أتقن في الفقه مذهب الشافعي، وفي
الكلام مذهب الأشعري، ثم يظهر في سائر المذاهب والآراء على طريق الاستقلال
ومن لم يتقن في أول أمره شيئا، فقلما يستفيد بعد ذلك من الخلاف إلا حيرة
واضطرابا وما حذر عنه من الأخذ عن الذين ينقلون المذاهب والأقوال،
ويعجزون عن تأييد شيء منها، هو من أنفع ما يساق إلى مجاوري الأزهر الذي
يكثر فيه أمثال هؤلاء المعلمين الذين لا يكادون يجزمون في مسألة خلافية بشيء،
واشتهر بعض كبرائهم بذلك، حتى صار بعض المجاورين يظن أن سرد الأقوال
والآراء في المسألة هو الكمال في العلم، وما هو إلا منتهى الجهل الذي يذهب
بالاستعداد للعلم، حتى إن من طال عهده به لا يمكن أن يكون عالما، وحسبك بحجة
الإسلام مختبرا وناصحا. ثم قال:
(الوظيفة الخامسة) : أن لا يدع طالب العلم فنا من العلوم المحمودة ولا
نوعا من أنواعه، إلا وينظر فيه نظرا يطلع به على مقصده وغايته، ثم إن ساعده
العمر طلب التبحر فيه، وإلا اشتغل بالأهم منه واستوفاه، وتطرف من البقية
(أي أخذ منها الطرف والنوادر) فإن العلوم متعاونة وبعضها مرتبط ببعض،
ويستفيد منه في الحال الانفكاك عن عداوة ذلك العلم بسبب جهله، فإن الناس
أعداء ما جهلوا، قال تعالى: ﴿وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم ﴾ (الأحقاف: 11) وقال الشاعر:
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
فالعلوم على درجاتها: إما سالكة بالعبد إلى الله تعالى، أو معينة على السلوك
نوعا من الإعانة، ولها منازل مرتبة في القرب والبعد من المقصود. والقوام بها
حفظة كحفاظ الرباطات والثغور، ولكل واحد رتبة، وله بحسب درجته أجر في
الآخرة، إذا قصد به وجه الله تعالى) اه كلامه.
أقول: وهذا الكلام الأخير مبني على ما قرره في هذا الكتاب؛ من كون
جميع العلوم النافعة في الدين أو الدنيا مفروضة دينا، حتى فنون الصناعات التي
عليها مدار المعيشة، فإنها من فروض الكفايات كفنون اللغة وكصلاة الجنازة، ومتى
صلحت نية القائم بها وأحسن عمله بالصدق وعدم الغش، كان بتعلمه هذه الفنون
وبعمله فيها عابدا لله تعالى، مستحقا للثواب في الآخرة.
وأما ما قرره من طلب الاطلاع على جميع العلوم والفنون المتداولة في العصر
فهو ما جرى عليه في تربيته لنفسه، وعليه علماء فن التعليم من أهل هذا العصر
وهو حجة على كثير من شيوخ الدين عندنا، فإنهم لجهلهم بأنفع علوم العصر
الكونية والعقلية يعادونها، وينفرون طلاب العلوم الدينية منها، فيجنون بذلك على
دين أمتهم ودنياها، ويبعدون الناس عن الدين بزعمهم أن هذه العلوم تنافي الدين، كما
قاله الإمام الغزالي في أمثالهم من أهل عصره. وسيأتي نقله عنه في فصل الكلام
عن رأيه في العلوم. ثم قال:
(الوظيفة السادسة) : أن لا يخوض في فن من فنون العلوم دفعة، بل
يراعي الترتيب ويبتدئ بالأهم، فإن العمر إذا كان لا يتسع لجميع العلوم غالبا،
فالحزم أن يأخذ من كل شيء أحسنه، ويكتفي منه بشمة، ويصرف جمام قوته في
الميسور من علمه إلى استكمال العلم الذي هو أشرف العلوم؛ وهو علم الآخرة) .
أقول: إن هذا مسلم في جملته عند علماء فن التربية والتعليم من أهل هذا
العصر، وهو مرتبط بما تقدم في الوظيفة الخامسة، وقد صار الكثيرون من أهل
الغرب الذين اتسعت عندهم دائرة العلوم وكثرت فروعها، يصرفون جمام قوتهم إلى
إتقان فرع من فروع العلم الواحد؛ كطب العيون أو طب الآذان أو طب الأمراض