الهواء بعضه، فلا يبقي منه ما يجتمع ويبلغ المزارع) .
أقول: إنه جعل الرحلة ومفارقة الوطن والأهل وتقليل العلائق والشواغل
وظيفة واحدة؛ لأن الغرض منهما فراغ الفكر وصفاء الذهن، فكأنه هو الوظيفة
المقصودة، وقد عقد ابن خلدون في مقدمته فصلا للرحلة في طلب العلم، وكونها
مزيد كمال في التعليم، ومازال الناس في هذا في الشرق والغرب، حتى أن أهل
المملكة الواحدة من ممالك أوربا لا يكتفون بالرحلة من بلد من بلادهم إلى آخر لجودة
التعليم في مدارسه واتساع دائرة العلوم فيها، بل يرحل منهم كثيرون إلى
مدارس مملكة أخرى؛ كرحلة أهل فرنسا وإنكلترا إلى سويسرا وألمانيا. ثم
قال:
(الوظيفة الثالثة) : أن لا يتكبر على العلم، ولا يتأمر على المعلم، بل
يلقي إليه زمام أمره بالكلية في كل تفصيل، ويذعن لنصيحته إذعان المريض
الجاهل للطبيب المشفق الحاذق. وينبغي أن يتواضع لعلمه، ويطلب الثواب
والشرف لخدمته. فلا ينبغي لطالب العلم أن يتكبر على المعلم، ومن تكبره على
المعلم أن يستنكف عن الاستفادة إلا من المرموقين المشهورين، وهو عين الحماقة.
ومهما أشار عليه المعلم بطريق في التعلم، فليقلده وليدع رأيه، فإن خطأ مرشده أنفع
له من صوابه في نفسه؛ إذ التجربة تطلع على دقائق يستغرب سماعها، مع أنه
يعظم نفعها. وبالجملة كل متعلم استبقى لنفسه رأيا واختيارا دون اختيار المعلم،
فاحكم عليه بالإخفاق والخسران.
أقول: ذكر في هذه الوظيفة كثيرا من الآداب. قد يتوقف في تقليد المعلم منها
ويظن أن هذا مخالف لما ذكرناه عنه من سلوك طريق الاستقلال في العلم، وإنما
يظن هذا من يغفل عن الفرق بين العلم نفسه وبين طريق التعليم، فتحكم الطلاب في
طريقة الأستاذ في التعليم خرق وفساد لا يجوز بحال، ولو جاز هذا لكان مؤديا إلى
المحال، عندما يقترح كل طالب طريقة غير التي اقترحها الآخر، وأنى يكون
للتلميذ في طرائق التعليم، مما لا يعرف الصواب فيها إلا بعض العلماء المجربين،
وإنما بينت هذا على ظهوره؛ ليعتبر به طلاب العلم في الأزهر، فإن كثيرا منهم
يعدون عقبة في طريق إصلاح التعليم؛ بما جروا عليه من العادات في المطالعة
والفهم بطريق التفكيك، وتتبع المفردات، والإعراض عن الأساليب، والتزام
الشروح والحواشي والتقارير. وقد كلمت غير واحد من المدرسين في تحسين
طريقة التعليم بالجري على الأساليب الحديثة، فاعتذروا بأن المجاورين يتركون
دروسهم إذا هم تركوا المألوف فيها، وإنما يأتي هذا الإفساد من المجاورين الذين
ألفوا طريقة الأزهر العتيقة بطول الجري عليها، إذ المبتدئ لا رأي له، وكان
منتظرا من هؤلاء إذا حكموا في ذلك أن يكونوا وسيلة للإصلاح، لا للبقاء على
الخطأ القديم. نعم، إن فيهم من يطلب الإصلاح فلا يجده، وهم الأذكياء من تلاميذ
الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى، وقد وجدوه الآن بمدرسة القضاء الشرعي، وسيظهر
أثر ذكائهم واستقلالهم بعد زمن قصير. إن شاء الله تعالى.
على أن التقليد في العلم نفسه ضروري للمبتدئ، حتى يصير أهلا للنظر
والاستدلال، فعند ذلك يسلك طريق الاستقلال، ثم قال:
(الوظيفة الرابعة) أن يحترز الخائض في العلم في مبدأ الأمر عن الإصغاء
إلى اختلاف الناس، سواء كان ما خاض فيه من علوم الدنيا أو من علوم الآخرة،
فإن ذلك يدهش عقله، ويحير ذهنه، ويفتر رأيه، ويؤيسه من الإدراك والاطلاع،
بل ينبغي أن يتقن أولا الطريقة الحميدة المرضية عند أستاذه، ثم بعد ذلك يصغي
إلى المذاهب والشبه، وإن لم يكن أستاذه مستقلا باختيار رأي واحد، وإنما عادته نقل
المذاهب وما قيل فيها فليحذر منه؛ فإن إضلاله أكثر من إرشاده فلا يصلح الأعمى
لقود العميان وإرشادهم. ومن هذا حاله، فهو يعد في عمى الحيرة وتيه
الجهل.
(ومنع المبتدي عن الشبه، يضاهي منع الحديث العهد بالإسلام من مخالطة