الفاضلة، ويريد الشعوب على توحيد الكلمة؛ لضرورة القيام على شؤون الحياة
المدنية. وإنما يتحقق معنى الحياة في قوم أعزوا جانبهم، وذادوا عن حوضهم،
وكانوا يدا على من ناوأهم، وأقسطوا في المعاملة إلى من عداهم، وهذا ما يريده
الإسلام.
من الظلم أن يمثل ساسة الغرب الجامعة الإسلامية بصبغتها الدينية في صورة
ينكرها الإسلام، ويأباها العدل، ولا تنطبق على نص من نصوص الدين كما
رأيت. وحسبك من الدين والتاريخ دليلا على أن الإسلام لا يحض أهله على
الجامعة إلا ليكونوا يدا على من ناوأهم، وأن يقسطوا إلى من سواهم وإن افترق عنهم
في الدين، ما لم يبادئهم بالعدوان ويرد بهم السوء - أن بعض القرشيين من
المشركين كانوا يزورون بعض المهاجرين من ذوي قرابتهم في المدينة، فلا يقبلون
عليهم، ولا يحسنون إليهم؛ لما عرفت به قريش من الشدة على المسلمين،
والإصرار على الشرك، فنزلت في تنبيههم إلى أن الدين لا يمنع من الإحسان إلى
غير أهله، ماداموا غير مناوئين للمسلمين هذه الآية {لا ينهاكم الله عن الذين لم
يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب
المقسطين} (الممتحنة: 8) .
وهذا التسامح الذي عرف به الإسلام، ونبه عليه القرآن هو الذي سد كل منفذ
من منافذ الأغراض السياسية التي تفسد نظام الاجتماع، وتفرق وحدة الإنسانية
وتلقي العداوة والبغضاء بين بني الإنسان، فلم يستطع زعماء السياسية في الدول
الإسلامية جمع الشعوب العائشة في البسيط الإسلامي على كلمة الإسلام بقوة الإكراه
ولم يسعهم أن يعاملوا مخالفيهم في الدين بضروب من العنت، تلجئهم ولو إلى
الهجرة والجلاء من بلاد بسط عليها الإسلام جناح سلطانه، وآخر من نعهد أنه حاول
ذلك من ملوك المسلمين السلطان سليمان العثماني، فإنه لما رأى شغب المسيحيين
في ولاياته الأوربية، وتوالي خروجهم عن الطاعة، وعلم أن بقاءهم على النصرانية
خطر على تلك الولايات، استفتى علماء عصره في إكراههم على الإسلام فأبوا أن
يفتوه بذلك، وكان ما توقعه ذلك السلطان من الخطر على تلك البلاد فضلا عما لاقته
الدولة العثمانية من النصب والتعب في سياسة أهلها، ولم تزل تلاقيه فيما بقي منها
في حوزتها إلى الآن.
إن السياسيين وأهل الأنانية المتوحشة في أوربا الذين يرجفون بخطر الجامعة
الإسلامية، لا يرون أن من الخطر على المدنية والعبث بنظام الألفة الإنسانية،
والوحدة البشرية، اضطهاد المسلمين الذين تحت كنفهم وإرهاقهم بضروب من
الإذلال والإعنات؛ قصد القضاء عليهم واستئصال شأفتهم باسم السياسة، ويرون أن
من الخطر على المدنية وجود جامعة إسلامية، تعامل باسم الدين مخالفيهم في
السياسة والدين معاملة الأكفاء في الإنسانية والعشراء في الوطنية كما سبق بيانه،
أفليس في هذا ما يدعو إلى الحكم على رجوع الإنسانية القهقري، وتقدم المدنية إلى
الوراء.
حقا إن هذه (السياسة) المطلقة من قيود الإنسانية والوجدان، ومن قيود
الحق والعدل، تشبه في تشكيلها حكايات الغيلان الواردة في أساطير الأولين وتماثيل
إله الشر عند اليونانيين. فالسياسيون إذا ساقوا الشعوب إلى الدمار، وقتلوهم
بالسيف والنار، قالوا: إنها السياسة. وإذا وطئوا بأقدامهم الحقوق، وامتهنوا
الشرائع، اتهموا السياسة. وإذا أخطأوا خطأ يجلب على بلادهم الدمار وعلى دولتهم
العار، تدرعوا بالسياسة. وبالجملة حيثما سنحت لهم سانحة شر قدموا أمامهم
السياسة. فالسياسة عندهم (كالجسم المرن) قابلة للتشكل بأشكال الأهواء التي
تنبعث في نفوسهم، وتدعوهم إليها أطماعهم. ولهذا لما استباحوا لجامعتهم
الأوربية المسيحية السياسية اضطهاد الجامعة الإسلامية في ملكها ودينها
وأهلها، ورأوا أن يأتوا لهذا العهد على البقية الباقية، أخذوا يصيحون بخطر
الجامعة الإسلامية؛ تمهيدا لمقاصدهم السيئة، وتكفيرا عن إجرامهم إلى