تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الممالك الإسلامية، مع تحقق الخطر من قبل هذه، وانتفائه من قبل تلك.

إن ساسة الغرب يوهمون العالم أن الجامعة الإسلامية خطر على المدنية؛

لاصطباغها بصبغة دينية، مع أنها خير على المدنية، وأرجى لنفع الإنسانية، لو قام

بها المسلمون. وإليك البيان.

الإسلام والجامعة الإسلامية

من المعلوم بالضرورة أن معنى الدعوة إلى الدين هو ربط أفراد كثيرين وأقوام

عددين بعقيدة واحدة، فالأمة التي تدين بدين واحد مسوقة بضرورة المشاركة في

الاعتقاد إلى المشاركة في العواطف، وهذا هو الارتباط الديني، الذي قلنا: إنه كباقي

الروابط طبيعي بين البشر مادام لهم دين أو أديان، والإسلام من هذه الوجهة كباقي

الأديان إلا أنه يمتاز بأمرين جديرين بالنظر والاعتبار: وهما تنويهه بشأن الارتباط

الأخوي بين المسلمين ارتباطا خاصا، ثم الارتباط الإنساني بين الناس كافة ارتباطا

عاما. ومما جاء في الأمر الأول قوله تعالى في القرآن الكريم: {إنما المؤمنون

إخوة} (الحجرات: 10) ، وقوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ (آل عمران: 103) ، وقوله تعالى: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا

على الإثم والعدوان} (المائدة: 2) ، وفي الحديث النبوي (المسلمون تتكافأ

دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم) وفي الحديث أيضا

(المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا) ، ولذا كانت رابطة التعاون والإخاء

عقيدة من عقائد المسلمين وإن تناسوها، ولم يعملوا بها إلا قليلا.

ومما جاء في الأمر الثاني في الرابطة الإنسانية، قوله تعالى: {يا أيها الناس

إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم

إن الله عليم خبير} (الحجرات: 13) ، وفي الحديث: (لا فضل لعربي على

عجمي، ولا لأبيض على أسود، إلا بالتقوى) [1] .

وأنت ترى من هذا أن الإسلام له رابطتان: رابطة العواطف التي يشترك بها

كل أرباب دين، ورابطة التعاون والإخاء التي يدعو إليها بالفعل، إلا أنه بين معنى

هذا التعاون في أنه على الخير دون الشر، وعلى البر بالناس دون العدوان عليهم لكي

يكون ارتباطهم بجامع الإخاء الديني، واجتماعهم عليه غير مقصود به العدوان،

بل المحاسنة والإحسان، وصريح قوله بالاجتماع وعدم التفرق محمول على ما

تستدعيه حالة الاجتماع من لزوم حفظ البيضة، وكف الأيدي العادية عن المجتمع،

وهذا ضروري للمجتمعات كما أشرنا إليه في التمهيد.

ثم لكي لا تكون جامعة الدين سببا للعدوان مع الآخرين، بل وسيلة إلى التدرج

في مدارج الإنسانية في أعم مظاهرها؛ وهي المساواة العامة بين أفراد البشر

وأقوامهم فيما تقتضيه حقوق الإنسان على الإنسان من الكرامة وحسن الجوار،

وتبادل المنافع والأعمال التي جعلت الإنسان مدنيا بالطبع؛ أي محتاجا إلى التعاون،

مفتقرا بعضه إلى بعض، قال الله - تعالى- إرشادا للمؤمنين إلى ذلك {يا أيها

الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} (الحجرات: 13) الآية.

هذه هي الوحدة الدينية التي يدعو إليها الإسلام. أفلا يرى المنصفون من كل

قبيل أن الجامعة الإسلامية التي يوهم ساسة الغرب العالم المسيحي بخطرها على

المدنية إذا اصطبغت بصبغة الدين هي خير للمدنية من أن لا تصبغ بهذه الصبغة [2]

وأن فوضى العقول عند الطوائف الإسلامية تأتي بما هو شر على المدنية مع

تنكر نفوس المسلمين لهذا العهد؛ لما تأتي به دول أوربا لمضادتهم ومضادة دولهم

من أساليب المكر والخديعة؛ توصلا لامتهان حقوقهم، وسلب استقلالهم، ووطء

بساط ملكهم حيثما كان.

اللهم، إن المسلمين ما قذف بهم في لج الحيرة، ووقف بهم عن السير مع

الأمم الراقية في سبيل المدنية الصحيحة، وكشف ما بينهم وبين الأمم المتمدنة،

فرموهم بكل نقيصة ونالوهم بكل سوء - إلا انفصام عروة وحدتهم الدينية،

والخروج عن قانونها الجامع الذي يرمي إلى غرض الاجتماع الصحيح والمدنية

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٤٣