تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(الصليبيين) هاجم بلادهم، فلم يجتمعوا كلهم على طرده، حتى حركت الهمة طائفة

منهم قويت وحدها على صده.

الجامعة التي يلغطون بها هذه هي (صوره مكبرة في خيال الأوربيين

منتزعة من دعوى المسلمين الإخاء الديني. وصورة محبوبة في خيال المسلمين

منتزعة من مس الحاجة إلى مثلها على رأيهم) ثم قد أصبح لهاتين الصورتين ظل

في الوجود قام عليه الحساب الحاضر. فالأوربي يقول يجب محو هذا الظل لئلا

يصير شبحا حقيقيا هائلا ويذهبون في محوه مذاهب كما يبين في كتاباتهم المتنوعة

المختلفة. والمسلم يقول يجب جعل هذا الظل شبحا حقيقيا يكون بهيبته حاميا حقوقنا

أجمعين ولهذا عظم تشبث المسلمين هذه السنين بمسألة هذه الجامعة الإسلامية للدلالة

على التضام والترابط ولكن لا يصنع هذا شيئا ما دام الاختلاف الديني والسياسي

قاضيين أن يدوم تقتيل المسلمين بعضهم بعضا ويقعد بعضهم عن نصرة الآخر. ولو

تدبر الأوربي والمسلم لالتفلتا إلى أمر نافع غير هذا لأن الظل لا يصير شبحا. لو

تدبر الأوربي لعرف أن الجامعة الإسلامية قد يخلقها الإسراف في إبادة ملك المسلمين

ولعرف المسلم أن هذه الجامعة لا تنفع حتى يقوم العلم الصحيح عندهم مقام التقاليد

وتكون الجامعة يومئذ جامعة قومية.

(3)

السخط العام من الأوربيين

لو تدبر الأوربيون لعلموا أن السخط العام الحقيقي الذي يرونه ويسمعون به

ليس ناشئا من الجامعة الإسلامية، بل هو ناشئ من سوء الإدارة، وهو يجر إلى هياج

الشعوب نفسها باسم الخلاص من الظلم، لا باسم الدين، ويشهد التاريخ أن شعوبا

كثيرة هاجت على حكوماتها نفسها باسم الخلاص من الظلم، لا باسم الدين، فإذا لم

ينتظر الأوربيون من المسلمين الذين تحت حكمهم هياجا إلا باسم الدين، فإنهم سوف

يتعبون من سوء نتائج هذا الخطأ على تمادي الأيام.

(4)

خطر الجامعة الإسلامية

وعندي أنه إن صح أمر الجامعة الإسلامية، لا ينتظر منها الشر الذي ينذر به

كتاب الأوربيين إلا أن يكون الشر عندهم هو صد المطامع وإيقافها عند حد. ولماذا

لا ينتظرون إلا الشر من قوم كان لهم دول عظيمة، فلم يسيئوا إلى بني آدم، كما

ينتظرون منهم الآن.

(5)

السنوسية

أما السنوسية فطائفة في الصحراء بين طرابلس ومصر، ملتفون حول شيخ

طريقة، في الأرض كثير من أمثالها وأمثاله. واضع هذه الطريقة هو السيد أحمد

ابن إدريس وهو رجل من صوفية المغرب وعلمائه، رحل إلى اليمن وتوفي فيها،

وهو شيخ الأستاذ المرغني المشهور، وشيخ الشيخ إبراهيم الرشيدي، وشيخ العلامة

السيد السنوسي (محمد علي) المولود عام 1204 في مستغانم، وقد طلب العلم في

فاس، ثم رحل إلى مكة فلقي أحمد بن إدريس، فأخذ عنه التصوف وخلفه في

الطريقة، وأحب أن يؤسس له مركزا في الحجاز، فلم يساعد على ذلك فغادر

الزاوية التي بناها في جبل أبي قبيس عند مكة، ورحل إلى طرابلس الغرب سنة

1255ه، ونزل في الجبل الأخضر وبني هناك عدة زوايا، ثم رجع إلى الحجاز

سنة 1263 ه، فأقام بمكة سبع سنين يقرأ الحديث فنما ذكره، وزار مصر عائدا

من الحجاز فأجله عباس باشا الخديوي آنذاك، وهرع الناس لزيارته. ولما كثر

مريدوه في صحراء ليبيا، أراد أن يعتزل البلاد التي فيها الأمر والنهي لحكومات

معروفة، فأرشده مريدوه إلى جغبوب لعزلتها ووجود الماء هناك، فبني زواية عام

1273ه وأقام فيها بين عربان البادية إلى أن توفى عام 1276ه، فخلفه ابنه

السيد محمد المهدي السنوسي، وقام مقامه بنشر الطريقة، وازداد عدد المريدين على

هذا، ودخل في مريديه ملك واداي، فلذلك أصبح مقامه في تلك الجهات كمقام

الملوك؛ لأن مريديه يجبون له عن طيب نفس المفروض عليهم من زكوات أموالهم

وهو يصرفها على اللاجئين على تلك الزوايا من الضعفاء والمرابطين وأبناء

السبيل.

وكل من عرف السنوسية حق المعرفة يمتدحهم على قيامهم في كبد هذه

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ٢٤٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ٢٤٠