إما أن تكون هذه المزاعم مصطنعة؛ لتعظم الحكومات الأوربية في أعين
شعوبها هول (الخطر الإسلامي) كي تكون تلك الشعوب راضية عن كل فتك بهذه
الشعوب؛ ليقطعوا دابر كل تحاب بينهم وتعارف وتعاطف، حتى يكونوا أفذاذا
مقطعي الأطراف مشرفين على الانقراض من غير رثاة. وإما أن تكون قائمة في
أذهانهم خطأ أو إسرافا في سوء الظن، أو تكبر في مخيلاتهم من مظاهر التآخي
الديني. وخليق بنا على كلا الوجهين؛ أن لا نمر بهذه المسألة متجاهلين هذه
المزاعم التي عليها يبنون صرحا من سياسة الإسراف بسوء الظن. والكلام في روح
هذه المسئلة؛ وهي الرابطة الدينية والجامعة الإسلامية، تدور حوله أغلاط كثيرة
تقع من باحثينا وباحثيهم؛ والأغلاط منشأ سوء التفاهم ومنشأ التنافر الذي ما برحنا
نراه يمتد في عهد كنا نظنه يتقلص فيه. فلذا رجحنا اليوم أن نخوض غمار هذا
البحث غير رامين إلا إلى تجلية الحقائق التي نعلمها. وكلامنا إن لم ينفع في دوائر
السياسة، ينفع في دوائر العلم التي يطوف حولها الشرقي والغربي متصافحين.
ونرجو أن يأتي يوم تعلو فيه الحقيقة في هذه المسئلة على المزاعم؛ مصطنعة
كانت أم خطأ.
***
(1)
اللغط في الجامعة الإسلامية
مركز الدائرة في هذه المسئلة هي الجامعة الإسلامية، وقد شغف كثيرون من
الباحثين منا ومن الأوربيين ببلوغ الحقيقة في هذه النقطة، فأبت على أكثرهم
واستعصمت بحجب من التشابه، فعمي السبيل على الطالبين، وانقسموا فرقا،
وسلكوا مذاهب؛ أعقلهم الذين اعترفوا بأنهم لم يروا وجه الحقيقة، ومنهم من
وصف الذي شبه له زاعما أنها هي الحقيقة. والذين اشتهوا الوصف والبيان، ولم
يطيقوا أن يظهروا العجز من بعد البحث والنظر، قد اختلفت أقوالهم: فمنهم من
يثبت وجود هذه الجامعة، ومنهم من ينفيه. والمثبتون منهم من يتشاءم به، ومنهم
من يتيمن، ومنهم من لا يبني عليه أملا، ومنهم من لا يوجس منه وجلا.
لكن يظهر من الفصول والمقالات الكثيرة التي قرأناها لكتاب الأوربيين أن في
أوربا كلمة واحدة عامة بوجود هذه الجامعة، وأن فيها خطرا على المستعمرات
الأوربية، أو قد تكون عائقا عظيما يوما ما عن بلوغ أوربا أمانيها من ابتلاع كل بلاد
المسلمين ابتلاعا تاما. ويؤذن هذا بأن من يقول غير هذه الكلمة منهم هو من
الشاذين.
والكتاب المسلمون يميل أكثرهم إلى تصديق هذا الحدس الأوربي، وتتغنى
أقلامهم بأن المسلمين كثيرون، وكلهم في الدين إخوان، وأن مستقبلهم حسن بواسطة
كثرتهم وجامعتهم الدينية، وعلى شيء من هذا بنى السيد توفيق البكري كتابه
(مستقبل الإسلام) .
والغريب في الأمر أن أكثر الباحثين في (الجامعة الإسلامية) يبتون فيها
الأحكام من غير أن يقولوا لنا: ما حقيقتها وما تاريخها، أذلك لشدة وضوحها أم
لأنها ليس لها صورة حقيقية واحدة، فهي تصور كما يقوم ظلها في خيال الكاتبين.
(2)
حقيقتها
ما الجامعة الإسلامية إلا اتفاق في كلمة واحدة؛ وهى أن القرآن كتاب الله،
جاء به محمد رسول الله. ولكن المطلع على تاريخ المتفقين هذا الاتفاق، يعلم أنه لم
يدفع عنهم الاختلاف الذي لا اتفاق معه بعد، فمنذ اختلف المسلمون ثلمت جامعتهم،
ولم يتفقوا اتفاقا سياسيا بعد عهد عمر ولا اتفاقا دينيا بعد عهد علي، فما هي جامعة
قوم مختلفين منذ ثلاثة عشر قرنا؟ اختلافا سياسيا واختلافا دينيا، يقتل بعضهم
بعضا، ويستعين بعضهم علي بعض بأهل الملل المخالفة من الأساس. ما هي
جامعة قوم لم يخل يوم من أيامهم من قتال فئة منهم فئة أخرى، منذ مقتل خليفتهم
الثاني إلى يومنا هذا؟ ما هي جامعة قوم يسر ملوكهم المختلفون بذهاب ممالك ملوك
آخرين منهم؟ ما هي جامعة قوم حدثنا التاريخ من حديثهم أن أجنبيا شرقيا
(هولاكو) اكتسح بلادهم وهم في عزهم، فلم تتضام أيديهم علي مقاتلته، وكانت لا
تزال قويه على قتال بعضها بعضا. وحدثنا التاريخ من حديثهم أن أجنبيا غربيا