حسونة إلى المشيخة وعلى يد الشيخ حسونة تم مشروع مدرسة القضاء الشرعي،
وصدر به الأمر العالي فصدق قول المرحوم فيه: إنه أمثلهم في حياته وبعد مماته.
مما كان ينويه من إصلاح الأزهر إنشاء قسم قضائي فيه يرشح فيه الطلاب
لمنصب القضاء. زاده حرصا عليه اقتراح المستر سكوت - المستشار القضائي
الأول - إصلاح المحاكم الشرعية، وجواز جعل المتخرجين في مدرسة الحقوق
الخديوية قضاة شرعيين. لم أر الأستاذ مهتما في مقاومة شيء كاهتمامه في حمل
الحكومة على الإغضاء عن جعل متخرجي الحقوق قضاة للشرع. سعى في ذلك.
وحاول إقناع كبراء الشيوخ بأن يسعوا معه، فلم ير منهم مبالاة فكان يتململ ويقول:
إذا نفذ هذا المشروع، قضي على الأزهر، وقد نجح سعيه فلم ينفذ.
وعندما حاولت الحكومة تعيين قاضيين من محكمة الاستئناف الأهلية للمحكمة
الشرعية العليا بمصر، ولم يتم ذلك قوي عزمه، وظن أن الفرصة سنحت لإنشاء
القسم القضائي، وقد فتحنا كوة للبحث في ذلك؛ إذ أنشأنا مقالة في المنار الذي صدر
في ذي الحجة سنة 1316؛ نقترح فيه إنشاء هذا القسم القضائي، ولكن حال دون
إنشائه عزل الشيخ حسونة من المشيخة، وتولية الشيخ عبد الرحمن القطب في 24
المحرم سنة 1317، ولم يلبث هذا أن توفي بعد شهر من توليته، وولي الشيخ سليم
البشري الذي وقف في عهده سير الإصلاح، وكان من أمر (المعية) من أول عهده
إلى الآن ما أشرنا آنفا إلى أنه انتهى باستقالة المصلح العظيم من إدارة الأزهر،
وبهذا انقطع رجاء الحكومة من إصلاح حال القضاة الشرعيين الذين ضجت منهم
الأمة طالبة بلسان الجمعية العمومية ولسان مجلس الشورى إصلاح المحاكم
الشرعية، فعهدت إليه بوضع مشروع إنشاء مدرسة قضائية، يتولى هو بنفسه
أمرها.
وكان هذا المشروع آخر عمل إصلاحي عمله؛ إذ تم في أوائل مرض
الموت. وما كان يؤلمه من هذا المشروع إلا انفصاله عن الأزهر، وقصارى ما
أمكنه من وصله به، جعله تحت نظر مفتي الديار المصرية دائما، وكان للحكومة
معه وقفة في هذه المسألة.
تبارك ناصر المخلصين، أحياء وميتين. فقد قضت حكمته - عز وجل - أن
يقوم بتنفيذ المشروع، ويجعله أشد صلة بالأزهر سعد باشا زغلول ناظر المعارف لهذا
العهد، ولا يجهل أحد من المصريين من هو سعد باشا من الأستاذ الأمام، وأن يكون
ذلك في عهد مشيخة الشيخ حسونة وبعد موافقته عليه، وجعله تحت نظره، وقد علم
القراء اعتقاد المرحوم في الشيخ حسونة، وما كان من نيته في أيام مشيخته الأولى،
وهاك نص القانون في ذلك:
مشروع أمر عال
بإنشاء مدرسة القضاء الشرعي
نحن خديوي مصر:
بعد الاطلاع على قانون الجامع الأزهر الصادر به الأمر العالي بتاريخ 20 محرم سنة 1314 (أول يوليه سنة 1896) . نمرة 3
وبناء على ما عرضه علينا ناظر المعارف العمومية، وموافقة رأي مجلس
النظار، أمرنا بما هو آت:
المادة الأولى - يخصص قسم من الأزهر؛ لتخريج قضاة ومفتين وأعضاء
ووكلاء دعاوي وكتبة للمحاكم الشرعية، ويسمى (مدرسة القضاء الشرعي) .
المادة الثانية - تكون هذه المدرسة باعتبار كونها قسما من الأزهر تحت
إشراف شيخه، وتكون لطلبتها من الامتيازات ما لغيرهم من الأزهريين، ويتولى
إدارتها ناظر، يعينه ناظر المعارف، ويكون لها محل مخصوص.
المادة الثالثة - تنقسم هذه المدرسة إلى قسمين: القسم الأول لتخريج كتبة للمحاكم الشرعية. والقسم الثاني لتخريج قضاة ومفتين وأعضاء ووكلاء دعاوي للمحاكم الشرعية أيضا.
القسم الأول
المادة الرابعة - يشترط فيمن يدخل القسم الأول من مدرسة القضاء الشرعي
ما يأتي:
أولا - أن يكون طالب علم في الأزهر أو أحد ملحقاته مدة ثلاث سنين، وأن
يكون حميد السيرة.
ثانيا - أن يكون صحيح الجسم، سليما من العاهات.
ثالثا - أن ينجح في امتحان الدخول في المواد الآتية:
(أ) حفظ نصف القرآن الكريم على الأقل.