تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بفتاوى النساء، فلم نعثر إلى الآن على مبتكرها مع طول بحثنا وتنقيبنا عنه في الكتب

الفقهية.

هذا في العنين. وأما الوسائل التي يذكرها الفقهاء للتوسل بها إلى معرفة

البكارة، فحدث عن غرابتها ولا حرج.

الحكم الشرعي الثابت بالكتاب مثلا لا يجوز تغييره بوجه من الوجوه إلا في

الضرورة الملجئة. وأما القانون الإسلامي فلا أرى باسا في تغييره وتطبيقه على

مصالح كل زمان ومكان؛ لأنه مهما تغير شكله وتبدلت صورته، لا يخرج عن

كونه قانونا إسلاميا.

(المبحث الرابع) : كما أنه يجب أن تكون أصول الأحكام التي يبنى عليها

فصل الدعاوي العائلية أحد الأصول الشرعية المعروفة (لا يضر حكمنا هذا، ما في

تلك الأحكام من القوانين الإسلامية؛ لأن أحكام الآراء، إنما هي في فروع الأحكام

دون جوهرها، على أن القوانين الإسلامية نفسها لا مندوحة عن كون واضعيها

مسلمين) . فكذلك يجب أن يكون القضاة الذين يقضون بها قضاة شرعيين.

والقاضي الشرعي لكونه نائبا في القضاء عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لا بد

من كونه مسلما، ومن أجل هذا تجد خلفاء العباسيين لم يوسدوا القضاء إلى غير

المسلمين، حين وسدوا إلى علماء اليهود والنصارى والصابئين والمجوس أكبر

الوظائف غير القضاء.

كما أن نكاح المسيحيين لا يعد شرعيا إلا إذا باشر عقده أحد الروحانيين منهم.

فكذلك فصل الدعاوي العائلية في المسلمين، لا يعد شرعيا إذا جرى على يد قاض

غير مسلم، مهما كان بارعا في الفقه الإسلامي؛ لأن القضاء في الدعاوي العائلية

وظيفة دينية بحتة، كالإمامة في الصلاة سواء بسواء. فنعلم من هذا أن قضاء

القاضي المسلم بالقوانين الوضعية في الدعاوي العائلية ليس بشيء في نظر الشرع،

فكيف بقضاء القاضي غير المسلم بتلك القوانين؟

ثم إن المذاهب المشهورة تشترط كون القاضي مجتهدا. قضاء القاضي غير

المجتهد وإن كان ينفذ في مذهب الحنفية، غير أن لنا شبهة قوية في كون هذا القول

قول أبي حنيفة نفسه. على أنهم لا يجيزون قضاء القاضي المقلد إلا إذا كان مستندا

إلى فتوى المفتي المجتهد. فلا يبقى كبير فرق بين المذهبين؛ لأن الأول يقضي

بكون القاضي مجتهدا مباشرة. والثاني يقتضي كونه مجتهدا بالواسطة. وعلى كل

حال لابد في فصل الدعاوي العائلية من قاض مجتهد أو مفت مجتهد. ولا يجوز

إفتاء غير المجتهد في المذهب الراجح. واشتراط الإسلام للاجتهاد أمر لا خلاف فيه

بين المسلمين.

أوجزنا الكلام بهذا الشأن إيجازا، ولم نكتب ما كتبنا إلا بظن أنه قد يكون

عونا على إبقاء فصل الدعاوي المذكورة بأيدي علمائنا. إذا نحن أنكرنا كون أئمة

مساجدنا قضاة شرعيين، وذهبنا مع ذلك إلى انقضاء عصر الاجتهاد وانسداد بابه،

كنا كمن نفض يده من النظر في تلك الدعاوي باختياره وسلمها إلى المحاكم المدنية

برضاه.

فمن العبث إذا أن نتفاوض فيما بيننا في إبقائها على حالتها الأولى.

قال العلماء المحققون بجواز تخصيص القضاء ببعض الأحكام، وكذلك قالوا

بوجوب اتخاذ ثلاثة نفر من المسلمين القاطنين في موطن واحد منهم قاضيا لهم.

صرحت الحكومة في قوانينها المتعلقة بأئمة المساجد: بأن في وسع الأئمة أن

يفصلوا القضايا العائلية الحادثة في أحيائهم بمقتضى شريعتهم، وأن يعلنوا الحكم

للمتخاصمين. وليس إليهم فصل الدعاوي المالية، فما الذي يمنع أن يكون هؤلاء

قضاة شرعيين؟ لا يمنعهم من ذلك كونهم منصوبين من قبل حكومة غير إسلامية؛

لأن القضاء يجوز تقلده من أية حكومة كانت.

ولا يعقل أن يكون المانع هو عدم تلقبهم بالقضاة. لأن القضاء لا يشترط فيه

هذا اللقب (القاضي) . ولا إخال أن أحدا ينازعنا في ذلك، فما المانع إذا؟ إن

الحكومة مكنت أئمة المساجد عندنا من النظر في دعاوي النكاح والطلاق وأمثالها

تمكينا تاما، حتى إنها تؤاخذهم مؤاخذة عنيفة؛ إذا هم قصروا في ذلك، كما أنها

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٨٦