تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عندما يقول لها: حكمنا لك بأن تستديني على زوجك؟ أي فرق بين حكم يمكن تنفيذه،

وبين حكم لا يترتب عليه أثر ما في الواقع؟

يشير علماؤنا في مسألة العنة المعضلة إلى العمل بأقوال النساء، هذه المسألة

قد طالما اعترف نطس الأطباء بعجزهم عن إدراك حقيقتها في هذا العصر الذي

ارتقى فيه علم الطب والتشريح ارتقاء رائعا (راجع كتاب حياتنا التناسلية) ، فكيف

يجوز لنا في مثل هذه المسألة الطبية المعضلة أن نعول على أقوال نسائنا

الجاهلات اللواتي لا يعرفن شيئا سوى الثرثرة بالسفاسف والتباهي بالثياب

والرياش؟

طلبت ذات مرة امرأة الفرقة من زوجها في المحكمة الشرعية (باوفا - روسيا)

مدعية عنته، فحكمت المحكمة بالتأجيل المعروف في كتب الفقه. ثم ظهرت

مسألة أخرى وهي: هل الزوجان يقضيان الأجل المضروب معا، أو يقضيانه كيفما

يشاءان؟

المرأة رضيت مساكنة زوجها إلى انتهاء الأجل غير أنها اشترطت الإقامة في

غير منزل حميها. وأتت بعدة موانع تمنعها من الإقامة فيه. وأما الرجل فهو رد على

المرأة دعواها قائلا: إنه لا يمكنه مفارقة منزل أبيه؛ لأنه يقوم بحاجاته، وهما

مشتركان في مهنة واحدة. ولما أبطأت المحكمة في فصل هذه الدعوى فصلا نهائيا،

رفعت المرأة إلى نظارة الداخلية عريضة شديدة اللهجة، تشكو فيها إبطاء المحكمة

الشرعية في حل القضية. فأخذت المحكمة تشتغل من جهة بالجواب عن استعلام تلك

النظارة. ومن جهة أخرى كتب إلى (القسم الطبي) (باصطلاح الحكومة هنالك)

كي يعمل الكشف الطبي للرجل والمرأة جميعا. فعمل لهما الكشف الطبي عند شاهد من قبل المحكمة الشرعية إلى أن كتب القسم المذكور في شهادته سلامة

الرجل من العنة، وعدم تيقنه بشيء في أمر المرأة. أمثال هذه القضية تقع

في كل زمان.

ومن لنا بدلائل فقهية من مختصر القدوري والهداية، بل الجامع الصغير

يفصل أمثاله هذه الدعاوى فصلا مرضيا؟ ولا أظن أن هذا يتيسر لكل قاض من

قضاتنا الشرعيين. فتبين لنا مما سبق بالإجمال؛ أن كثيرا من القواعد الفقهية

لا يمكن الجري عليها في هذا الزمان.

(المبحث الثالث) : لا يستلزم تغيير بعض ما في الكتب الفقهية بحسب

اقتضاء الزمان والمكان، وتبديل قواعدها البالية بقواعد كافلة لمصالح الناس في

عصورهم التي يعيشون فيها - تغيير أصول الشريعة الإسلامية العامة وتحريفها.

الفقه الإسلامي عبارة عن ركنين: ركن يتألف من أصول الشريعة المعروفة

عند أهل كل المذاهب المتبعة. وركن آخر عبارة عن القوانين الإسلامية المؤلفة من

آراء رجال معروفين وغير معروفين في أزمنة مختلفة.

القوانين الإسلامية لا فرق بينها وبين قوانين الروم القديمة، أو قوانين فرنسا

وأمريكا مثلا في كون كل منها موضوعة بآراء الرجال. كل الآراء التي ارتآها

الفقهاء المتقدمون؛ لما اقتضت معاملات الناس وعاداتهم في زمانهم، واتبعوها بقولهم

(هذا هوالأوفق لهذا الزمان) ، أو (هذا هو الأرفق بالناس) ، أو (العقل السليم

يقضي بهذا) ، أو (عموم البلوى تجيز العمل بهذه القاعدة) ، وما إليها من أقوالهم.

كل هذه عبارة عن القانون الإسلامي الوضعي والسلام.

ولا بأس أن نشفع كلامنا هذا بمثال: كون نصيب البنت الواحدة من التركة

نصفا حكم شرعي لا هوادة فيه؛ لأنه ثابت بالكتاب. أما قاعدة مراجعة النساء في

مسألة العنين، فهو قانون إسلامي؛ لكونه رأيا بحتا من آراء الفقهاء.

(لا أظن أن مسألة العنين وقعت على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -

بجميع فروعها؛ لأن العلامة ابن القيم مع التزامه جمع كل الوقائع التي وقعت،

والأحكام التي صدرت مما يتعلق بالإسلام في ذلك الزمان، لا يذكر شيئا من ذلك

القبيل كتابه (زاد المعاد) المعروف، بل مسألة التأجيل نفسها يروي الكمال في فتح

القدير كونها منقولة عن الخليفة الثاني والرابع فقط. وأما قاعدة العمل في هذه المسألة

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٨٥