تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

السؤال، فقد قال الحافظ في فتح الباري: واتفق العلماء على صحة حديث أسامة

واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: إن حديث أسامة منسوخ.

لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال وقيل: المعنى في قوله: (لا ربا) الربا الأغلظ الشديد

التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد

مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل لا نفي الأصل، وأيضا نفي

تحريم ربا الفضل من حديث أسامة، إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛

لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر. اه.

والقول بالنسخ أضعف الأقوال، والقول بترجيح المنطوق على المفهوم كما

ترى غريب في هذا المقام، وإذا قلت: إن المنفي في صيغ الحصر منفي بالمنطوق،

كنت أقرب إلى الصواب، وإلا لما كان نفي الألوهية عن غير الله في كلمة التوحيد

إلا من قبيل المفهوم الذي تعرف ما قال فيه أهل الأصول، فبقي القول بأن حصر

الربا في النسيئة هو الربا الحقيقي الذي ورد فيه الوعيد الشديد في القرآن،

وهذا هو الجمع الذي جرى عليه المحققون، كابن القيم وقال: إن ربا الفضل لم

يحرم لذاته، وإنما حرم لسد الذريعة.

وعلى هذا يكون الربا الذي ورد عليه الوعيد في القرآن خاصا بربا النسيئة

المعهود في الجاهلية، ولا يدخل فيه ربا الفضل خلافا لبعض الفقهاء، ولو تناوله

القرآن بالنص، لما اختلف فيه أكابر علماء الصحابة لا سيما ابن عباس وابن عمر

(رضي الله عنهم) ، فعلى هذا لا يكون ربا الفضل منافيا للإسلام.

وأما الجواب عن السؤال الثالث؛ فهو أن ما نقله السائل غلط وقع في بعض

نسخ البخاري المطبوعة، ومنها النسخة التي على هامش فتح الباري، والصواب

(والشعير بالشعير) وحديث (هاء وهاء) هذا هو حديث عمر، وليس فيه ذكر

الورق إلا في رواية أبي ذر وأبي الوقت من رواة البخاري، فإنهما قالا: (الذهب

بالورق) بدل (الذهب بالذهب) ، واتفق جميع رواة الصحيحين على (والشعير

بالشعير) ، وبه احتج الشافعي وأبو حنيفة وفقهاء المحدثين على أن الشعير صنف

غير البر خلافا لمالك والليث، وغيرهما ممن قال: إنهما صنف واحد.

وأما الجواب عن الرابع فهو أن السلطان الذي أصدر ذلك الأمر: إما

السلطان سليمان القانوني ولعله الأرجح، وإما ولده السلطان سليم، فإن أبا السعود

كان في عصرهما وقد توفي في جمادى الأولى سنة 982.

والسلطان سليم قد توفي في رمضان من تلك السنة، وقد ولاه سليمان الإفتاء

سنة 945 وهو هو شيخ الإسلام. أما صورة الفتوى فلم نقف عليها، والظاهر أن

سببها وسبب الأمر السلطاني الذي بني عليها منع الربا المضاعف، والاطلاع عليها لا

يفيدنا فائدة فقهية، وإنما فائدته تاريخية محضة، فإننا نعلم أنها مبنية على استباحة

المعاملة، ولذلك علل ابن عابدين عبارة الدر التي ذكرتموها؛ بأن السلطان إذا أمر

بمباح وجبت طاعته، (والمعاملة) ، ولا إخالكم تجهلونها؛ هي بيع القليل بالكثير

احتيالا على الربا كأن يقرضه تسع مائة، ويبيع منديلا ثمنه عشرة قروش بمائة

قرش مثلا، وقد أجاز الحيلة الحنفية والشافعية، واستدلوا عليها بإذن النبي - صلى

الله عليه وسلم - ببيع الصاعين من التمر الرديء بصاع من التمر الجيد بالحيلة؛

وهي أن يباع كل من الصاع والصاعين بالثمن، وذلك خروج من نص (والتمر

بالتمر ربا إلا هاء وهاء) في الحقيقة دون الصورة، والمانعون للحيلة كالمالكية

والحنابلة لا يجدون للحديث مخرجا إلا القاعدة التي ذكرها ابن القيم، وهي أن ما

حرم لسد الذريعة كربا الفضل جاز للمصلحة، وأنت تعلم أنه لا معنى لاشتراط كون

بيع النقد أو القوت بجنسه يدا بيد مثلا بمثل لذاته؛ لأن عاقلا لا يفعل ذلك إذ ليس فيه

فائدة، وإنما يقصد الناس بالبيع الزيادة بالقدر أو الوصف ولا شيء من ذلك بمحرم

لذاته؛ لأنه هو أصل المنافع والمقصد من التجارة، فلم يبق لذلك الشرط معنى إلا سد

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٧٧